الحلقة الرابعة: هُنا..
أم
هُناك؟
السكينة..
الطمأنينة..
السعادة
الغير مبررة..
مع القليل
من الحيرة..
هذا هو
المزيج الذي يشعر به كل من يأتي إلى هُنا.
تركَت
جسدها يطفو على الأمواج الهادئة، تركَت
عينيها مغمضتين، تركت النسائم الخجولة
تدغدغها وتحملها برفق إلى الشاطئ، انتقل
جسدها المسترخي من وسادة الأمواج إلى
وسادة الرمال الناعمة ففتحت عينها ببطء
دون أن تفارقها ابتسامتها، رأتني واقفة
أمامها، أبادلها الابتسامة، مددت يدي
لأساعدها على النهوض، فاتسعت ابتسامتها،
أعتقد أنها عرفتني على الفور، ودّعت قطرات
الماء ثوبها الحريري الأبيض وبدأت خطوانا
الحديث على رمال الشاطئ قبل أن نواصل نحن
حوارها.. دفعتني
لهفتي لسؤالها:
"كيف
حال حسام يا مرام؟"
"إنتِ
ملاك صح؟ عرفتك من لوحات حسام!"
مع أني
أراقبه لحظة بلحظة، أكاد أحصي أنفاسه،
لكنني أنثى، تسيطر علي مشاعر الفطرة
الأنثوية الكونية، تذيب وجداني لهفة
حبيبي علي في كل مرة أراه، في كل مرة أسمع
عنه.. لا
أملّ منه ولا من لهفته.
ومرام أنثى أيضاً،
عرفت ما يختلج بداخلي فطيبت خاطر لهفتي:
"ملاك..
حسام
عايش معانا بجسمه بس، روحه وعقله وقلبه
هنا..
معاكِ
إنتِ"
"حسام
من جد وحشني!"
"يا
بخته"
"يا
بختي أنا"
"ما
تتخيلي قد إيش أنا مبسوطه عشانه، أكبر
نعمة إنه ربنا يبعت لأحد ملاك يحرسه"
"النعمة
إنه ربنا يبعت لك ملاك..
والنعيم
إنك تكوني إنتِ الملاك وتعيشي حياتك كلها
لحياة الشخص اللي يستاهلها"
استدركت
مرام السؤال الأهم فبادرتني:
"ملاك
أنا إش اللي جابني هنا؟..
أنا
مُت؟!"
كانت
ذاكرتها مضطربة ومشوشة، ولكنها سألت
السؤال بعفوية، لم تكن للموت أي هيبة في
نبراتها، طمأنينة هذا المكان تذيب جميع
الأهوال والأحزان.
"لا
يا مرام..
إنتِ
ما مُتِّ..
للآن"
لم تتذكر
مرام التفجير الانتحاري الذي وقع في بهو
فندق الـماريوت في الشانزيليزيه، والذي
دفع بجسدها نحو إحدى الأعمدة ليتلقى رأسها
تلك الاندفاعة العنيفة في حافتة ويبدأ
بالنزيف من الخارج والداخل.
نسيت كل ذلك، تأملت
حولها.. الأمواج،
الطيور، الـحدائق، وأبراج مدينة حسام في
الأفق؛ ملأت رئتيها بالنسيم البارد المعطر
بأنفاس الأزهار وانساب منها في تنهيدة
بطيئة وهي تقول:
"حسام
يحق له يتعلق بهذا المكان، وبيكِ.."
"حسام
ساب كل شي ورجع عشانك إنتِ يا مرام..
إنتِ
كمان لازم ترجعي له.
حسام
أمانة عندك يا مرام، إنتِ ملاكه في الدنيا،
وأنا ملاكه هنا.."
لم تسمع
آخر كلماتي، فقد تلاشت من أمامي..
تماماً كما تلاشى
حسام من بين يدي.
البقاء..
كلمة واحدة
تختزلكم! كلمة
واحدة تفرق بين حياتكم في الدنيا..
عالم الزوال،
والآخرة عالم الخلود؛ تختزل جميع همومكم
وأحلامكم وغرائزكم. كل
شهوة مركبة في صميم حمضكم الـنووي إنما
هي ردة فعل لتلك الغريزة الأم..
تلك الشهوات التي
تلهثون خلفها: الـمال
والجاه والسلطة والأبناء والعلاقات
العاطفية.. هي
مجرد أدوات في صراعكم الدؤوب من أجل ذلك
البقاء.. البقاء
الذي يجعلكم تتشبثون بأذيال الحياة حتى
وأنتم تودعون آخر أنفاسكم فيها.
ولكن..
هناك بقاء
من نوع آخر، البقاء من أجل من يستحق..
شتان ما بين الصراع
من أجل البقاء على قيد الحياة، والاستماتة
لتبقى مع من تحب.. ولمن
تحب. هذا
النوع من البقاء أقوى وأعمق بكثير من
البقاء الغريزي الذي يشترك فيه البشر مع
جميع الكائنات الحية الأخرى.
هذا النوع هو الذي
يتحدى المسلّمات.. ويصنع
المعجزات!
هزّ
الانفجار أركان بهو فندق الـماريوت ومزقت
أصداؤه هدوء الـشانز إليزيه في ساعات
الفجر الأولى، غادرت المسامير والكرات
الحديدية الـصغيرة الحزام الناسف بفعل
تفجر جزيئات مادة C-4 في
كل اتجاه بسرعة ثمانية آلاف متر في
الثانية.. بعبارة
أخرى كانت لا تحتاج تلك الشظايا إلى أكثر
من جزء من خمسماءة جزء من الثانية لاختراق
جسدي جمانة وإلياسين اللذان كانا يعزفان
على الپيانو في منتصف القاعة.
ولكن
إلياسين كان أسرع!
رغم جسده
الصغير الذي لا يكاد يظهر خلف الپيانو،
أطلق صرخته المدوية ودفع الپيانو بيد
واحدة وكأنه يلقي بلعبة لم تعجبه، وأحاطت
ذراعه الأخرى بجمانة.. نصف
طن من خشب القيقب انقلب وانزلق نحو
الانتحاري مكوناً حائط حماية لم يلبث أن
تهشم بفعل موجات الانفجار التضاغطية
وأضافت أشلاؤه المزيد من الـشظايا القاتلة
المنطلقة نحو جمانة وإلياسين..
ولكنها تأخرت.
ففي جزء
الثانية الذي تلى صرخة إلياسين لم يعد
لجسده ولا لجسد جمانة وجود في عالمنا!
موجات
الانفجار دفعت بأجساد سوسن وحوجن وجمارى
ومرام. انتقل
حوجن وجمارى لا إرادياً إلى البعد الآخر،
بُعد الجن، مما خفف الصدمة عليهما، وامتصت
المقاعد الجلدية ارتطامة جسد سوسن، أما
مرام فكانت أقل حظاً من الجميع، فقد
استقبلها أحد الأعمدة الرخامية وحطم
عدداً من عظامها؛واشتعلت النيران في كل
مكان. كانت
جمارى تصرخ بجنون وهي تبحث عن إلياسين
الذي لم يعد له وجود في البعد الـمادي..
ولا البعد الجني،
وكاد حوجن أن يلحق بها لولا أن اقتحم البهو
عدد من الجنود يرتدون بدلات عسكرية سوداء
مقاومة للحرارة، وأقنعة واقية مزودة
بمناظير تمكنهم من الرؤية من خلال الدخان
الذي التهم المكان؛ هبطوا من سقف البهو
الزجاجي متعلقين على خطافاتهم وانطلقوا
نحو هدفهم المحدد: سوسن
ومرام.
كانوا
خمسة جنود، يحمل كل منهم كيساً جلدياً
توزعوا في أماكن معينة وأخرجوا ما بداخل
تلك الأكياس.
خمس جثث..
رجلان وسيدتان
وطفلة، لكنها متفحمة. ذلك
ما كانت تحتويه الأكياس، خمس جثث تضليلية
لإياد وحسام وسوسن ومرام وجمانه.
وزعوا الجثث بوضعيات
مدروسة، واقترب أحدهم من مرام يتفحصها
ليتأكد من هويتها قبل أن يحملها وينطلق
نحو خطافه ليثبته في حزامه وينزلق عائداً
من حيث أتى. لم
يستوعب حوجن مالذي يحدث، ولكنه استوعب
أن هؤلاء المقنعون لم يأتوا لإنقاذهم.
بالرغم من انه
استنزف طاقته بسبب تجسده في عالم الإنس
لعدة ساعات، استجمع كامل قوته وانطلق
ليلحق بالجندي الذي يحمل مرام، تجسد للحظة
وأطلق قبضته نحو المنظار المثبت في قناعه
وفتح بيده الأخرى صمام الخطاف المثبت في
حزامه وتلقف في نفس اللحظة جسد مرام ووضعها
برفق على أحد المقاعد بينما تلقّت الأرض
الرخامية جسد الجندي الذي وقع من ارتفاع
عشرة أمتار. أصيب
الجنود بحالة فزع لم تستمر لأكثر من ثانية
وعادوا لإتمام مهمتهم، تقدم أحدهم نحو
سوسن التي بدأت تستعيد وعيها وتسعل بسبب
الدخان، وقبل أن يقترب منها أطبق حوجن
بيده على الجزء الظاهر من رقبته وخلع
قناعه الواقي باليد الأخرى، فبدأ الجندي
بالتخبط والترنح، وأدرك باقي الجنود أنهم
في مواجهة خصم من عالم آخر، سقط الجندي
على الأرض فأسرع باقي الجنود بحمل جسدي
زميليهما اللـذين أرداهما حوجن وغادروا
الفندق بسرعة عبر سقفه الزجاجي قبل أن
تصل قوات الطوارئ الفرنسية.
اقترب
حوجن من سوسن وهمس بجوار أذنها..
"سوسن..
سوسن!
خليكي
صاحية..
لازم
أتلبسك!"
السقوط
الحر باختصار هو أن تتوقف محركات الطائرة
عن العمل فتتحول بالتالي من طائرة إلى
كتلة من المعدن المندفع بأقصى سرعة نحو
الأرض. انحرفت
الـطائرة بشكل مباغت وبدأت رحلة "السقوط"
بزاوية حادة فاختل
توازن إياد واندفع بسبب الطرد المركزي
نحو مؤخرة الطائرة لولا أن التقطته قبضة
حسام من حزام المظلة التي ارتداها في آخر
لحظة بينما استطاع أن يتشبث بيده الأخرى
بحافة باب الطائرة المفتوح.
كادت عضلات وأعصاب
ذراعه أن تتمزق وهو يسحب إياد بيد واحدة
متحدياً قوانين الجاذبية والـطرد المركزي
والتسارع.. ونجح!
أمسك إياد بطرف
باب الطائرة واستجمع قواه ليدفع جسده من
خلاله بينما كان عداد ارتفاع الطائرة
يتقهقر بجنون من عشرة آلاف قدم..
إلى خمسة آلاف..
إلى ألف قدم..
اتخذ حسام
قراره.. سيُعيد
إياد إلى سوسن وجمانة، ويعود هو إلى هنا..
إلي أنا.
أفلتت أصابعه حافة
الـباب ليهوي مع الطائرة ويجبر إياد على
النجاة بحياته، ولكن إياد رفض قرار حسام،
بالرغم من أنه قد يدفع حياته ثمناً لذلك
الـرفض! فأمسك
بحسام بكل قوته قبل أن يندفع داخل الطائرة٬
وفتح المظلة فكانت قوة اندفاعها كافية
لانتشال حسام وتمزيق بعض عضلات ذراعي
إياد الذي أبى أن يتخلى عنه..
ولكن..
انفتحت
المظلة وهم على ارتفاع يتجاوز المئتي قدم
بقليل، وهي مسافة لا تكفي لامتصاص ارتطامة
شخص واحد بالأرض.. ناهيك
عن شخصين.
وهنا يأتي
دور اللطف الرباني، ففي نفس اللحظة التي
تحطمت فيها الطائرة على صخور سواحل حيفا،
تلقفت أمواجها حسام وإياد لتخفف من عنف
ارتطامتهما وتزيد من فرصة بقائهما على
قيد الحياة.. قليلاً.
الأرواح،
تتعارف، تتآلف، وتتقارب في بُعدها الأسمى
متجاهلة الحواجز التي تفرضها العوالم
المادية.. والرابط
الذي يجمع روح سوسن بروح حوجن جعلها تستجيب
له بكل سهولة رغم الإعياء والتعب والخوف
والقلق، كانت تفقد وعيها بالتدريج مع
كميات الدخان التي استنشقتها، ومع ذلك
فهمت مغزى حوجن وأومأت برأسها إيجاباً
ولم تمض ثوانٍ قليلة حتى سيطر حوجن على
جسد سوسن فهبت واقفة وكأنها استعادت
عافيتها فجأة، وحملت مرام بكل سهولة على
ذراعيها وانطلقت بها في نفس الوقت الذي
اندفع فيه نزلاء الفندق بهلع نحو البوابة،
لم يكونوا بحاجة صافرات الإنذار التي
دوّت بعد اندلاع الحريق، فقد تكفل صوت
الانفجار بإيقاظهم وبث الرعب في قلوبهم
جميعاً، انتشرت قوات الأمن ووحدات الإسعاف
في كل مكان، اندفع حوجن بجسد سوسن وهي
تحمل مرام نحو المسعفين الذين حملوها إلى
إحدى سياراتهم بعناية وحاولوا إيقاف سوسن
لفحصها، ولكن حوجن كان في قمة القلق على
إلياسين وجمانة، كان يجول ببصر سوسن في
العالم المادي وببصره في البعد الجني..
حتى لـمح جمانة
جالسة على عتبة مبنى قديم في الشارع
المقابل وبجوارها جمارى تحتضن إلياسين؛
اجتاز الشارع بسرعة وحمل جمانة وهتف
بجمارى التي كانت في البعد الجني لتحمل
إلياسين وتتبعه، وتوجه إلى سيارات الإسعاف
وتخلى عن جسد سوسن فسقطت أمام المسعفين
فحملوها وانطلقوا بها إلى المستشفى دون
أن يلاحظ أحد أن هناك جني وزوجته وابنهما
برفقتهم.
"إش
حصل يا حوجن؟!"
همست بها
جمارى وهي تحتضن إلياسين وكأن المسعفين
الذين يجلسون جوارهم في الإسعاف يستطيعون
سماعهم؛ فأجابها حوجن:
"ما
أعرف يا جمارى، أهم شي ربنا لطف!"
"أي
دين وأي مذهب يخلي أحد يفجر نفسه ويقتل
غيره بدون أي ذنب؟!"
"السياسة
النتنة!"
"هاه؟!"
"السياسة
النتنة هي الديانة الوحيد الي ممكن تقنع
أحد إنه ربنا خلق الجنة للمجرمين والسفاحين
باسم الدين"
مسح بيده
على رأس إلياسين الذي نام ببراءة في أحضان
والدته وواصل:
"قلبي
كان حيوقف من الخوف على إلياسين، ماني
قادر أصدق كيف طفل في سنّه قدر ينتقل بهذي
السرعة للبعد الثاني وكمان ينقل معاه
آدمية!"
ألقى
بنظرة سريعة إلى جمانة التي أرخت برأسها
على المسعف الذي جلست بجواره ثم التفت
إلى جمارى وقال:
"شوفي
جسمك كيف مكسر، شوفي يدي ورقبتي تنزف، كل
هذا حصل لـنا من تأثير الانفجار مع إننا
رجعنا لبعدنا!"
فحصت
جمارى بدورها إلياسين وجمانة وشاركته
الذهول:
"فعلاً
إلياسين وجمانة ما تأثروا بشئ أبداً!
كأنهم
انتقلوا فجأة لمكان ثاني!"
"أو
لبعد مختلف..
غير
بعد الإنس..
وغير
بعدنا!"
استمرت
ذراعا بنيامين بنبش مياه المسبح لساعتين
متواصلتين وانطلق جسده النحيل بعضلاته
المفتولة كالطوربيد يجوب أطراف المسبح
ذهاباً وإياباً.
كان
المسبح البيضاوي يحتل معظم مساحة مكتبه
الذي لم يكن فيه سوى مقعد جلدي أسود بجواره
طاولة زجاجية صغيرة عليها نظارته المعتمة
وبعض القطع والوصلات الإلكترونية التي
تسبق عصرها بسنين.
طرقت
إليانا الباب برفق فهتف بنيامين منزعجاً:
"أدخلي
يا إليانا"
دخلت
إليانا بهدوء ووضعت المنشفة التي تحملها
على المقعد وقالت:
"سيد
بنيامين، الاجتماع سيبدأ بعد خمس دقائق"
"سحقاً!"
وثب
بنيامين وثبة رشيقة من المسبح متجاهلاً
السلم المعدني في طرفه، تناول المنشفة
وضعها على كتفه وتناول طرفها ليمسح القطرات
على عدسات عينه الاصطناعية قبل أن يتناول
نظارته المعتمة من على الطاولة وتقدم نحو
الباب فهتفت إليانا:
"سيد
بنيامين، لـقد جهزت لك ملابس تليق
بالاجتماع"
"هذه
المنشفة تليق بهم وأكثر!"
تبعته
بلا اعتراض، خرج من مكتبه التابع لـوحدة
(صهيون
الـغـد )
الـسرية
التي تأسست بجهود مشتركة ما بين جيش الدفاع
الإسرائيلي والأمن القومي الإسرائيلي
(الشاباك)
وجهاز
الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد)
ومحفل
البيت اليهودي في نهاية عام ٢٠١٢م واستقرت
في مقرها الـسري المكون من مجموعة وحدات
تختبئ تحت سواحل بحيرة طبرية وفي قلب جبل
أربيل المطل عليها.
أعضاء
وحدة (صهيون
الغد )
يجمعهم
التطرف اليميني الذي يغلفونه إعلامياً
ببعض شعارات الديموقراطية والسعي للسلام.
جميعهم
(باستثناء
بنيامين )
التحقوا
بالخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي
قبل تقلدهم لمناصب مرموقة وحساسة في
الكنيسيت والوزارات الإسرائيلية.
جلس
بنيامين في الكبسولة التي انطلقت عبر ممر
يخترق الجبل نحو الـوحدة المركزية وجلست
إليانا بجواره والقلق يمزقها:
"سيد
بنيامين، أنت تقتل نفسك!
لم تذق
طعم النوم منذ أن بدأت هذه المهمة"
"وهل
ذقتِ طعمه أنت؟"
"سيد
بنيامين لم تمض ساعات منذ أن عدنا لإسرائيل
كان الأحرى أن.."
قاطعها
بصرامة حطّمت خاطرها:
"إليانا..
توقفي
عن لعب دور أمي أرجوكي، أخبريني من سيحضر
الاجتماع؟"
لملمت
إليانا حطامها وأجابته بنبرة رسمية:
"يوڤال
ستينتس، نفتالي بينيت، داني دانون، راباي
إلي بن دحان..
"
قاطعها
بنيامين:
"جوقة
الأوغاد..
وماذا
عن تسيبي ليڤني؟"
"
تسيبي
ليڤني سترأس الاجتماع، إنها غاضبة، غاضبة
جداً"
"انتظري
لتريها بعد الاجتماع"
تخلت
إليانا عن الحواجز الرسمية وأمسكت بيده
وقالت بتوسل:
"بنيامين..
أرجوك..
من أجلي
لا تتهور!"
"حاضر"
فرحَت
بها وابتسمت بالرغم من أنه قالها باقتضاب
ولكن ابتسامتها لم تلبث أن تلاشت عندما
واصل بتهكم:
"يا
أمي!"
دخل
بنيامين قاعة الاجتماعات حافياً وطبعت
بقايا مياه المسبح خطواته على الأرضية
الرخامية السوداء وجلس في مكانه على
الطاولة السداسية دون أن يلقي تحية ورفع
رجليه على الطاولة وقال وهو يمسح أذنه
بالمنشفة ويفرك أصابع قدميه ببعضها أمام
الحضور:
"المعذرة
على تأخري أيها الـسادة، فكما ترون لقد
اضطررت للعودة من فرنسا سباحة"
"أتمنى
أن تكون قد أحضرت معك ما يبرر إهدارك
لخمسين مليون شيكل في يومين!"
قالها
يوڤال الذي تخضرم في رئاسة خمس وزارات
إسرائيلية بنبرة هادئة لا تكاد تخفي غضبه،
فأجابه بنيامين بتعجب مصطنع:
"لقد
أرسلت لكم التقرير المفصّل ألم تقرأوه؟!"
فقد
داني نائب وزير الدفاع السابق أعصابه وهو
يهتف:
"لم
ترسل لنا سوى خمس كلمات:
تحطمت
الطائرة، لا يوجد ضحايا..
أتسمي
ذلك تقريراً؟!"
"بالطبع
سيد داني، مهمتي كانت إحضار إياد وحسام،
وهما الآن يتلقيان العناية اللازمة في
الوحدة الطبية..
أما
تحطم الطائرة فهو جزء من المهمة، أعلم
تماماً أنني أنفقت إثنين وستين مليون
ومئتين وثمانية عشر ألف وأربعماءة وواحد
وعشرين شيكل من ميزانية المشروع التي لن
يتم إنفاقها قبل أن أحقق النتائج"
"هه..
نتائج..!"
قالها
داني بعصبية متهكمة فرد عليه بنيامين:
"نعم..
نتائج
يا سيد داني.
هل حققت
أنت أي نتائج؟ مهمتك كانت إحضار فتاتين
وطفلة، ولم تحضر لنا سوى جثتين لأفضل
أفراد القوات الخاصة وضجة إعلامية في
جميع المحطات التلفزيونية والصحف العالمية
وإحراج لحكومة إسرائيل مع الحكومة
الفرنسية!"
تفاقم
انفعال داني وهو يبرر:
"لم
تتورط حكومتنا!
المهمة
تمت تحت غطاء عمل استشهادي إسلامي"
"سيدي
الحكومة الفرنسية ليست ساذجة، وستار
الجماعات الإسلامية المتطرفة لم يعد يصلح
سوى لأفلام التسعينات!
ثم أنت
لم تجبني بعد:
هل
أنجزت مهمتك؟ هل استطعت أن تحضر الفتاتين
والطفلة سيد داني؟"
تدخّل
نفتالي لينقذ داني:
"وأنت
كدت أن تودي بعشرات الأرواح، ولكن لحسن
الحظ تحطمت الطائرة في منطقة غير مأهولة
من سواحل حيفا!"
"أعرف
بالضبط إحداثيات البقعة التي تحطمت عليها
الطائرة، نسبة وجود إنسان في نفس المكان
أثناء تحطم الطائرة كانت أقل من واحد في
الألف، وهي نسبة سلامة جيدة"
كانت
إجابات بنيامين الدقيقة الباردة ذات
النبرة الآلية تثير جنون الجميع..
ما عدا
تسيبي التي اتكأت بذقنها على كفيها
المشبكين بدون أي تعليق.
"بالفعل،
أنت لم تخاطر سوى بحياة اثنين من الجنتايل"
كانت
هذه مداخلة الراباي إلي بن دحان التي
قالها بنبرة جادة من خلف قلنسوته ونظارته
ولحيته الكثة، فالتفت نحوه بنيامين بحدة
وقال:
"البشر
بشر يا حضرة الراباي!
لسنا
بحاجة خرافاتك التلمودية!"
"إحذر
يا بنيامين فأنت تهزأ بثوابتنا الدينية!"
"التلمود
ليس إلا جريمة تحريف ارتكبها أسلافك
الرابايون ليطمسوا معالم التوراة والدين
اليهودي الحق بنصوص المشناة الشاذة
المحرفة التي فبركوها ليستعبدوا الناس
ونسبوها لله..
آسف
فمن يؤمن بالتلمود لا يستحق أن ينسب نفسه
للبشر، ناهيك عن رب البشر!"
احمر
لون الراباي وهو يصرخ:
"كيف
تجرؤ؟!
ألا
تعرف جزاء من يتطاول على الراباي؟!"
"(ومن
يعصِ الراباي فجزاؤه القتل وسيخلد في
الجحيم )
إيروبين
٢١٦.
هل
تريدني أن أسرد عليك باقي النصوص التي
لفقها أسلافك ليلصقوا أنفسهم بالذات
الإلهية؟"
صرخ
نفتالي مدافعاً عن معلمه الراباي بن دحان:
"لقد
تجاوزت جميع الحدود!
من
الواضح أنك عدوٌ لليهودية والسامية!"
أطلق
بنيامين ضحكة مستفزة وهو يقول:
"أنا
عدو للصهيونية، أشمئز منها كما يشمئز
منها ملايين اليهود الشرفاء، ثم ما علاقة
الخزر والإشكناز بنو مأجوج بالساميين
بني إسرائيل؟ لو رآكم سام وإسرائيل لتبرأوا
منكم!"
"كفى!"
أول
كلمة نطقتها تسيبي ليڤني، كانت كافية
لإسكات الجميع، ساد الهدوء لعدة لحظات،
لم يتخلله سوى تمتمات الراباي الذي يستغفر
من شناعة ما سمعه من بنيامين.
مزقت
تسيبي ستار الصمت الذي أسدلته وهي تقول
بضجر:
"ليس
لدي وقت لمعارككم الصبيانية!
بنيامين
ادخل في صلب الموضوع!"
أشار
بنيامين لإليانا التي تقف خلفه، فحركت
أناملها على حاسبها اللوحي وظهرت صورة
على الشاشة الكريستالية الضخمة المقابلة
لتسيبي ليڤني وعلى الشاشات الصغيرة أمام
كل من الحاضرين، صورة تخيلية لهيكل سليمان،
وبدأ بنيامين بالشرح:
"تعرفون
الهيكل.."
"هيكل
أمي"
همس
بها داني بسخرية، تجاهل بنيامين سخافته
وواصل:
"من
هنا وقبل ثلاثة آلاف سنة حكم الملك سليمان
العالم، وسخرت له جميع الإمكانيات المادية
والعلمية وتحالفت معه جميع العوالم، ولكن
الأطماع اشتعلت بعد موته فضاعت المملكة
وتتشتت بنو إسرائيل، والأخطر من ذلك..
ضاع
أهم كنوزه:
العِلم"
"أي
طفل في إسرائيل يحفظ هذه المعلومات
التاريخية"
قالها
نفتالي معترضاً، ولكن يوڤال الذي بدا
أكثر اهتماماً عقب قائلاً :
"استمر
يا بنيامين..
واختصر
لو سمحت"
أشار
بنيامين لإليانا فغيرت الصورة وظهر مشهد
وحشي لمجموعة من جنود الصليبيين يذبحون
الناس وحمرة دمائهم امتزجت بحمرة الصلبان المطرزة على ستراتهم البيضاء،
وواصل بنيامين:
"ولم
يظهر شئ من علوم مملكة سليمان إلى أن نبش
حفنة من المرتزقة الصليبيين الذين يسمون
أنفسهم حراس الهيكل الأطلال من تحته
واستخرجوا مخطوطات الزوهار والقبالة،
وعادوا بها إلى أوروبا بعدما طردهم صلاح
الدين، ولم يجدوا سوى حاخامات يهود
الإشكناز ليفكوا شيفراتها، وكانت تلك
بداية الكارثة"
"نحن
نضيع وقتنا في الاستماع إلى هذا المسخ
الأعور"
قالها
داني بضجر فالتفت إليه بنيامين وقال:
"نصيحة
أخوية:
لا
تناديني بالأعور، ولا تنسى أن هذا المسخ
هو الذي رشح إسرائيل لتقود العالم في
أبحاث الـ Micro
Neural Electronics ونجح
لأول مرة في فك شفرة الأوامر العصبية
وتحليلها وبرمجتها وبثها..
لقد
فقدت بصري واستطعت أن أبتكر عيناً
اصطناعية..
أتمنى
أن يحالفك الحظ أنت أيضاً وتنجح في ابتكار
مخ اصطناعي لتستخدمه"
ألجمت
سخرية بنيامين داني بغضبه، وتدخلت تسيبي:
"الجميع
هنا قدموا الكثير من التضحيات من أجل
الوطن!"
التفت
إليها بنيامين وقال:
"تضحيات
ضباط الجيش الإسرائيلي الذين يقيسون
بطولاتهم بكميات الدماء التي يريقونها!"
"لقد
كانوا يخاطرون بحياتهم لكي تعيش أنت وباقي
الإسرائليين بسلام في مجتمع محاط
بالإرهابيين"
"نعم
نعم، لا ننسى تضحيتك بأعز ما تملكين في
مهامك الخاصة جداً مع الموساد، ولا ننسى
إبادتك للأطفال الإرهابيين في حرب غزة
قبل عشرة أعوام"
أشاحت
بوجهها عندما ذكرها بمذبحة غزة التي
قادتها بتوجيه من أرييل شارون وواصل
بنيامين موجهاً حديثه للجميع:
"لقد
أثبت لنا التاريخ أن الدماء لا تبني دولة..
عصر
الرصاص قد انتهى أيها السادة، نحن في عصر
السباق العلمي والحرب التكنولوجية، وهذه
أقوى نقاط تفوقنا!"
"وهذا
الذي يجعلنا نحتمل هراء مسخ أعور مثلك!
هيا لا
تضيع وقتنا يا ابن العا.."
لم
يكن في حسبان داني عندما نطق عبارته أن
بنيامين يستطيع أن يثب من فوق الطاولة في
الفترة الزمنية التي تفصل بين حرفي العين
والهاء وأن يكيل له لكمة مدوية قبل أن
ينطقها:
"هذه
لأنك ناديتني بالأعور مرة أخرى"
التفّ
حوله بعد أن باغته بلكمته وطوق بذراعه
حول عنقه بإحكام وحشر سبابته وإبهامه في فمه
وأطبق على لسانه وواصل بنيامين بكل هدوء
قبل أن يستوعب داني المفاجأة:
"ولأنك
فكرت أن تشتم والدتي فسأقتلع لسانك، لا
تقاوم كي لا يزداد شعورك بالألم"
انغرست
أظافر بنيامين في لسان داني الذي كان يضرب
بذراعيه للخلف محاولاً الإمساك ببنيامين
والإفلات من قبضته، واستفاق الحضور من
ذهولهم فهب نفتالي ويوڤال لتخليص داني
ودخل اثنان من رجال الأمن واستطاعوا فك
الاشتباك وتكبيل حركة بنيامين وحركة داني
الذي انقض على بنيامين والدماء تنزف من
لسانه وفمه وهو يصرخ ويزمجر بلدغة سببها
جرح لسانه:
"سأقتلك!
أقسم
أن أقتلك وأن أحتفظ بعينك الزجاجية كطفاية
لسجائري أيها المسخ..
الوغد..
اللعين"
استمرت
شتائمه وهو يغادر غرفة الاجتماعات، وتناول
بنيامين المنشفة التي سقطت عن كتفه ليمسح
الدماء عن أصابعه بتقزز.
"أتمنى
أن يكون ما ستطلعنا عليه يبرر بجاحتك
ويستحق هذا الاستعراض السخيف"
قالتها
تسيبي التي لم يبد عليها الاكتراث بمعركة
بنيامين مع داني، فتجاهلها بنيامين وهو
يشير لإليانا فظهر على الشاشة شعار عبارة
عن عين تتوسط فرجار ومسطرة قائمة الزاوية:
"وكنتيجة
لتحالف حراس الهيكل وحاخامات يهود
الإشكناز، تكونت أدهى مجموعة سرية على
مر التاريخ:
الماسونيون
الأحرار الذين تمكنوا وفي فترة وجيزة من
إحكام مخططاتهم على كوكب الأرض وتسخير
مدخراته لليهود الذين لا يتجاوزون إثنين
في الألف من تعداد البشر"
"هذا
وعد ربنا لنا"
قالها
الراباي بن دحان فأجابه بنيامين:
"مخططات
الحروب، السيطرة المطلقة على الإعلام
العالمي وتسخيره للتعتيم والبروباغاندا
لمصلحة المخطط الصهيوني، شراء ذمم رؤساء
الدول وأصحاب النفوذ بالمال والسلطة
والنساء، الاستحواذ على الذهب والألماس
وأسواق المال والتجارة العالمية..
وغيرها
من القذارات لا يمكن أن تنسب إلا للشيطان"
"الغاية
إعادة أمجاد بني إسرائيل وتحقيق وعد الله
لهم"
التفت
بنيامين للراباي وأجابه:
"نسيت
أن تلمودك أقنعك أن غير اليهود لا يحتسبون
من ضمن البشر، وأن الغايات تبرر أقذر
الوسائل"
أشار
بنيامين فقلبت إليانا مجموعة من الصور
على الشاشات تبين مشاهد لحروب وصراعات
ومظاهرات وأعمال عنف:
"وكما
تعلمون قد حقق التخطيط الماسوني معظم
أهدافه ولم يعد يواجه سوى تهديدين:
شبكات
التواصل الحرة التي حطمت سيطرتهم الإعلامية،
والطفرات العلمية التي تبتكر بدائل
للثروات التي يسيطرون عليها"
نقلت
إليانا صورة جديدة على الشاشات..
صورة
إياد وحسام:
"وهذه
هي مهمة فريقي الأساسية: دراسة
الظواهر الخارقة والتوصل لتفسيرات علمية
لها وتطويرها لتحقيق السبق العلمي لمصلحة الوطن؛ قبل خمس سنوات
انتشر خبر الشاب العربي الذي تعرض لحادث
سيارة واكتسب قدرات غير طبيعة بعد أن كاد
يفقد حياته، عكفنا على مراقبته ودراسة
حالته"
أشار
إلى إليانا، فانتقلت الصورة إلى مشهد
يظهر فيه حسام وإياد وهم يتدربون على فنون
القتال في ساحة قصر منصور الزايدي والد
إياد:
"أثناء
دراستنا لحالة حسام، اكتشفنا ظاهرة أخرى
أكثر غرابة"
لم
يكن مشهد الڤيديو واضحاً، فطفرة أقمار
المراقبة الاصطناعية كانت لا تزال في
بداياتها.
شعروا
أن بروس لي قد عاد إلى الحياة وهم يراقبون
تحركات حسام، وكان إياد يجاريه في حركاته
السريعة بشكل أدهش الجميع، أنهى حسام
المعركة بركلة جانبية حلقت بإياد لعدة
أمتار قبل أن يسقط على ظهره وانتهت اللقطة
عندما عاود النهوض على قدمية:
"هل
لاحظتم أيها السادة؟"
قالها
بنيامين، فأعادت إليانا مشهد نهوض إياد
بالحركة البطيئة، كان يمد يده للهواء
وكأن شخصاً يقف أمامه ليساعده على النهوض،
وفعلاً نهض عندما سحب ذلك الشخص اللا مرئي
ذراعه، فاندهش جميع من في الاجتماع؛ أشار
بنيامين إلى إليانا لتعرض لقطة أخرى حصلت
عليها من تسجيلات الكاميرات المثبتة على
أقنعة جنود القوات الخاصة الذين حاولوا
اختطاف سوسن ومرام وجمانة في فندق
الـماريوت.
اللقطة
كانت قصيرة جداً، دارت نحو صرخة الجندي
الذي كان يحمل مرام وسقط على الأرض بعنف
بينما هبط جسد مرام بهدوء على إحدى الكنبات
وكأن شخصاً خفياً يحملها.
علق
بنيامين قائلاً :
"عندي
عشرات الأدلة التي تثبت أن هناك شخص ما،
أو عدة أشخاص يحومون حول حسام وإياد،
أشخاص غير مرئيين، من عالم آخر"
عرضت
إليانا المشهد التالي، خريطة تعقب تظهر
عليها نقطة مضيئة علق عليها بنيامين:
"هذه
النقطة المضيئة صادرة من جهاز التعقب في
الإسورة التي أعطيتها لجمانة ابنة إياد،
وهي كما ترون في منتصف فندق الماريوت"
اختفت
النقطة فجأة وظهرت في نفس الوقت في مكان
آخر على الخريطة:
"وفي
نفس لحظة الانفجار تحركت الطفلة جمانة
مسافة تزيد عن مئتي متر..
انتقلت
آنياً!"
سرت
همهمة في قاعة الاجتماع قبل أن يقول يوڤال:
"وهل
لديك أي تفسير لكل هذا؟"
"ظواهر
التعامل مع العوالم الأخرى والانتقال
الآني لم تتحقق إلا في عهد الملك سليمان،
وأسرارها مخطوطة في كتبه بالتأكيد..
جميع
الكشوف العلمية التي توصلنا إليها بواسطة
الزوهار والقبالة لا تكاد تذكر مقارنة
بما لم يتم الكشف عنه بعد.
أعتقد
أن هناك من سبقنا إلى المزيد من علوم مملكة
سليمان"
"الآن
فقط أثرت اهتمامي!"
قالتها
تسيبي فاقترب بنيامين بوجهه منها وقال:
"سأحرص
على إثارة اهتمامك دائماً سيدتي، فأنا
متأكد من أنني سأموت في ظروف غامضة في
اللحظة التي أفقد فيها اهتمامك بي"
"عينك
الاصطناعية مطفأة طوال الاجتماع..
لماذا؟"
"لا
أعتقد أن أحداً غيرك قد لاحظ غياب صوت تروس
عيني، لا زلت تحتفظين بحس الموساد..
على
العموم، هناك وجوه لم أرغب برؤيتها اليوم،
ولكن
لا تقلقي، سأبقي عيني مفتوحة دائماً"
قالها
وهو يرفع النظارة المعتمة ويرمق تسيبي
بنظرة ميتة من عينه الاصطناعية المطفأة
وعينه الأكريليكية التجميلية، نظرة أشعلت
الرعب في قلب لا يكاد يعرفه، فقالت تسيبي
وهي تحاول مداراة رعبها بتهكم:
"هذا جيد، حتى إن
اضطررت أن ترمش فلا ترمش في اللحظة الخاطئة،
ولا ترمش بالعينين معاً"
أعاد
نظارته المعتمة مكانها وهو يقول:
"أشكرك
على النصيحة، ولكني لا أحتاجها، فأنا
أرى بلا عينين!"
انطلق
المهندس منصور الزايدي والد إياد بهلع
في أروقة مستشفى مارموتان، وانكفأ على
موظفة الاستقبال في قسم الطوارئ:
"أبحث
عن مصابي فندق الماريوت، أبحث عن ابني
وزوجته وحفيدتي"
ركض
إلى حيث أشارت قبل أن تكمل كلامها، كانت
عيناه تتفحصان كل غرفة في الممر إلى أن
لمح سوسن جالسة على سرير الفحص وحولها
ممرضتان وجمانة نائمة على طرف السرير،
فاقتحم الغرفة وهو يسأل بهلع:
"فين
إياد يا سوسن؟؟"
"لا
تقلق يا بابا، إياد سافر"
احتضن
المهندس منصور سوسن، وحمل جمانة بين
ذراعيه وأخذ يقبلها بين عينيها ويلتقط
أنفاسه ويزفرها مع دموعه:
"الحمدلله..
الحمدلله..
الشرطة
حاطين أسماءكم بين الضحايا، قلبي كان
حيوقف"
"الحمدلله
ربنا لطف..
وأرسل
لنا منقذ"
كانت
الممرضتان قد غادرتا غرفة الطوارئ الصغيرة،
فانزلق الباب ببطء وانغلق خلف المهندس
منصور الذي انتفض جسمه بشدة عندما سمع
صوتاً يهتف من خلفه:
"أخيراً
اتشرفت بشوفتك يا أبو إياد"
مادة C-4
المتفجرة:
وزارة
الدفاع الإسرائيلي:
الشاباك:
الموساد:
البيت
اليهودي:
الكنيسيت:
يوڤال
ستينتس:
تسيبي
ليڤني:
نفتالي
بينيت:
داني
دانون:
راباي
إلي بن دحان:
بحيرة
طبرية:
جبل أربيل:
الجنتايل
(الكائنات
غير اليهودية):
الزوهار:
القبالة:
بروس لي:
مستشفى
مارموتان: