Friday, December 28, 2012

الحلقة الثانية: ابن اليمين


انهمكت الشمس في مزج ألوان السماء..
الذهبي فالقرمزي فالماروني..
كانت مرتبكة.. تحاول إنجاز لوحاتها قبل أن تنصرف وتسكب خلفها بقايا ألوانها..
وكان حسام يراقبها.. يتعلم منها.. يجلس على طرف الممر الحجري الذي أطلت الأعشاب والأزهار الـصغيرة من بين صخوره بعناد وهي ترقب حسام وتتهامس فيما بينها بعطورها..
استند بجسمه للخلف على يديه.. وأرجح قدميه لتدغدغ مياه النهر.. وابتسم. ابتسم عندما شعر بقدومها، جلست بجواره بهدوء وأسندت رأسها على كتفه فأحاط كتفها بذراعه واشتركت قدماها الحافيتان في رقصة الأمواج مع قدميه. مرت اللحظات دون أن يتحدث أحدهما بكلمة مسموعة.. إلى أن قالت بلهفة وهي تلتقط كفه لتحتضنه ما بين خدها وكفيها:
"تأخرت علي يا حسام.. معقول ثلاثة أيام ما تسأل عني؟"
واصلت وهي تقبل أنامله:
"حرام عليك يا حسام.. كل مرة أستنّاك أكثر من اللي قبلها!"
التقط كفيها بكفيه وقربها من شفتيه وهو يهمس لها:
"يا ليتني قعدت معاكِ وما رجعت للدنيا..!"
شرد ببصره للسماء المكتظة بالنجوم وواصل:
"معقول كل هذي النجوم والعوالم تفصل بيننا؟ ستة وعشرين مليار سنة ضوئية عشان أوصل لك!"
خنقتها العبرة عندما استوعبت بعد المسافة بينهما وقالت:
"ستة وعشرين مليار سنة ضوئية ما تكفيك تقطع الـسماء الأولى! متخيل كم سماء أولى تسبح في الـسماء الثانية؟ وكم سماء ثانية في الثالثة؟ متخيل المسافة التي تفصلك عن السماء السابعة؟"
صُعق من هول الفكرة، عجز عقله عن أن يتصور أن المسافات الفلكية والمجرات الهائلة في هذا الكون ليست إلا هبأة هامشية في بحر متلاطم من الأكوان الأخرى.. اعتصر عجزه في دمعته وهو يغوص في أعماق عينيها دون أن يصل لقاعها.. فالتقطتها بأناملها وحاولت تطييب خاطره.. وخاطرها:
"حسام.. الروح إذا ارتبطت بكيان.. ما تعترف بالزمان ولا بالمكان!"
بدأ وجهه بالتلاشي بالتدريج بين كفيها، حاولت أن تحتضنه بين ذراعيها ولكنه اختفى من أمامها وبقيت دمعته على أناملها.. فدفنت وجهها بين كفيها وانهارت في بكاءٍ صامت ملتهب..
"حسام؟! صحيت؟"
همست بها مرام وهي تتأمل الدمعة الساخنة التي ذابت على وجه أخيها وهو يستيقظ من غفوته التي لم تستمر لأكثر من عشر دقائق.. هب حسام جالـساً وقد تدفق النشاط في خلايا جسمه وكأنه نام عشر ساعات متواصلة..
"يللا يا باشا اتلحلح وبطّل كسل! قطّعت النوم ياراجل"
قالـها إياد وهو يتناول الحقائب من الأدراج العلوية للطائرة.. وانطلق الجميع عبر الممر نحو محطة الوصول في مطار شارل ديغول.

ردد الرخام الذي يغطي أرضية وجدران بهو فندق الـماريوت في الشانز إليزيه أصداء خطوات جمانة المرحة التي نست جميع تعليمات أمها بالتزام الرصانة والهدوء فركضت نحو الپيانو الذي تربع أسفل القبة الزجاجية في وسط الفندق بينما سيطرت الغريزة الأنثوية على سوسن ومرام فانخرطتا في جولة بين البوتيكات الراقية في الفندق وتركتا المهام المملة لإياد وحسام الذيَن اصطفا أمام موظف الاستقبال لإنهاء إجراءات الدخول..
وبدأت الموسيقى..
شلال انهمر من الپيانو الذي وقع تحت سيطرة جمانة، بدأ بقطرات خجولة ولكن أصابعها الصغيرة مالبثت أن خلعت رداء براءتها وأنبتت في كل يد عشرات الأصابع الإضافية أصيبت كلها بالصرع فراحت ترقص بجنون على مفاتيح الپيانو لتعزف موون لايت سوناتا لبيتهوڤن. أذهلت الموسيقى كل من سمعها، وتحول ذلك الذهول إلى صعقة عندما التفتوا ليروا الطفلة التي تقف أمام البيانو.. وتفترسه!
انتهت المعزوفة، وعادت البراءة لتكتسي وجه جمانة بعد أن غادرته التكشيرة الجادة التي غلفته أثناء العزف. فتحت عينيها لترى المحتشدين حولها ينظرون إليها في لحظة دهشة وصمت انفجرت بعدها موجة تصفيق محموم جعلت جمانة تقفز في مكانها من المفاجأة وانهالت عليها تساؤلاتهم عن اسمها وسر موهبتها وهي تجيبهم بفرنسية بلكنة عربية تعلمتها من جدتها السيدة منال العقيل التي تعيش معظم أيام السنة بين أخوالـها الفرنسيين على سواحل نيس. شق إياد وحسام طريقهم بين الجموع فانطلقت جمانة نحو حسام وتعلقت بكفه تجره من إبهامه وبنصره وهي تقول بالفرنسية:
"هذا عمّو حسام، هو الذي علمني العزف.. عمو حسام اعزف معزوفة ملاك.. أرجوك أرجووووك!"
تدخل إياد الذي اعتاد على المشاهد الصاخبة التي تحدثها جمانة دائماً فحملها على ذراعه وهمس لها:
"جمانة الوقت متأخر، لازم تنامي بدري عشان نقدر ناخذك معانا بكرة"
استسلمت جمانة استسلاماً مشروطاً كعادتها أشارت بسبابتها بحزم أمام عينيها اللتين استدارتا واتسعتا بجدية وأملت أوامرها:
"أوكي بانام بدري بس بشرط! تشتري لي كل الليتيل پونيز! كللللهم! مفهوم!"
وكعادته استسلم إياد لدلال ابنته استسلاماً غير مشروط وأخذها وتوجها إلى الغرفة ليتكفل بطقوس النوم: البيجامة والعشاء والقصة؛ بينما كانت سوسن لا تزال غارقة مع مرام في جولة تسوق في عقر دار الماركات الفرنسية على الشانز إليزيه انتهت قسراً عندما حان موعد إغلاق البوتيكات، فحملت السيدتان السعوديتان أكياسهما الأنيقة إلى إحدى الكافيهات العتيقة لتحتسيا نخب معركتهما التسوقية.
"مع إنه كل الماركات صرنا نلاقيها في مولاتنا، واللي ما نلاقيها في المولات نقدر نشتريها أونلاين.. بس فرق شاسع لما نشتريها من بلدها!"
قالتها مرام وتناولت كوب القهوة الذي بين يديها لتدفئ أناملها قليلاً قبل أن تسرق نسمات الهواء الباردة دخانه الساخن. ارتشفت رشفتها قبل أن توافقها سوسن:
"لازم نروح للصين لو نبغى فعلاً نشتريها من بلدها! كل الماركات العالمية صارت تصنع بضاعتها في تشاينا! بس ما يهم! أهم شي إننا اشتريناها من الشانز إليزيه!"
قالتها سوسن وعادت لشرودها.. فلم تلبث مرام أن قاطعته:
"سوسن؟.. سوسن!"
عادت سوسن من شرودها فواصلت مرام:
"سوسن.. إش فيكِ؟"
"عادي مافيني شي"
"على مين يا سوسن؟ لكِ فترة منتِ على بعضك! شكله إياد مزعلك.. يللا فضفضي لي مافي أحلا من الحش في الرجال!"
"إياد مستحيل يزعلني.. يخاف علي أكثر من اللازم"
"ياعيني عالرومنسية"
"بالعكس هذي هي مشكلتي معاه! يخاف علي لـدرجة إني متأكده إنه مخبي عني أشياء كثير"
"طيب لو أشياء ما بتودي ولا بتجيب ليه تبغي تعرفيها أصلاً؟"
زفرت سوسن زفرة أسخن من دخان قهوتها وهي تقول:
"مرام إنتِ عمرك ما حسيتي بهذا الشعور، فيه جزء انبتر من حياتي، وإياد هو الوحيد اللي يعرف تفاصيله ومخبيه عني!"
"رجعنا لقصة الجن وما الجن؟ مش خلاص شيزوفرينا واتعالجت؟"
"باوريكي حاجة وإنتِ أحكمي"
قالتها سوسن وأخرجت هاتفها وفتحت بريدها الذي أرسلت إليه جميع ملفات الحوار مع حوجن وناولتها لمرام لتقرأها.. مرت عدة دقائق، تجمد كوب القهوة في يسار مرام والهاتف في يمينها، رفعت عينيها الجاحظتين نحو سوسن التي أطلقت لدموعها العنان:
"حوجن.. معقوله؟"
تلفتت حولـها بخوف وارتباك وكأنها تتأكد من عدم وجود العفاريت، واقتربت لتهمس لسوسن:
"ماني قادرة أصدق إنه كل هذي الـحوارات والنقاشات والمعلومات مجرد شيزوفرينيا! إنت كنتِ بتتكلمي مع جني حقيقي..! هذي الملفات لازم توريها للدكتور النفسي، لازم يكون عنده تفسير علمي!"
"وهذي المشكلة الثانية! أنا متأكده إن الدكتور عماد زكي متفق مع إياد. أصلاً أنا شاكة إنه دكتور وهمي.. تخيلي اكتشفت إن رقم جواله هو نفسه رقم جوال إياد القديم أيام الجامعة.. كيف تتفسر دي؟"
"مو معقول!"
"هذا غير إني متأكدة إنه خطبني مع بنت خالته جمانة، أذكرها ومتأكدة إني شفتها زي ماني شايفتك قدامي، ودحين لما أسأله عنها يتهرب.. ولـما أسأله ليش أصريت نسمي بنتنا جمانة يقول إنه الإسم كان عاجبه!"
ابتلعت سوسن ريقها وواصلت وتوترها يتصاعد:
"تخيلي إن جمانة تقول إنه عندها صديق اسمه إلياسين؟ تتكلم معاه وتلعب معاه.. كأنه عايش معانا.. رح تجنني! وإياد كل شوية يقول لي عادي كل الأطفال عندهم إماجيناري فريندز"
"طيب لازم تواجهي إياد!"
"حاولت أكثر من مرة، بس زي ما قلت لك دايماً يتهرب.. أخاف أزودها معاه يزعل مني"
استخدمت مرام خلايا الكيد الأنثوي في دماغها ثم سألت سوسن:
"عندك رقم الدكتور عماد؟"
"حتى لو اتصلت بالدكتور عماد زكي عارفه وحافظة إش رايح يقول لي، رح يقنعني بالشيزوفرينيا وعجائب العقل البشري!"
"ومين قال لك تسأليه؟ واجهيه على طول.. قولي له إنه إياد قال لك على كل حاجة!"
فعلاً خطة بسيطة ومضمونة.. ترددت سوسن قبل أن تتناول الهاتف من يد مرام.. وبحثت عن Dr. EZ في قائمة الأسماء بأنامل مرتجفة من التوتر.. ثم تقهقرت:
"لا لا.. أصلاً الوقت مو مناسب!"
تناولت مرام الهاتف من يد سوسن لتنهي ترددها، ضغت على زر الاتصال بالدكتور وهي تقول:
"الساعة هنا ثمانية، يعني عندنا لسا ما جات الساعة عشرة.. الليلة ما حتنامي إلين تعرفي كل شي!"
وضعت الهاتف على أذن سوسن التي ما إن سمعت نغمة الاتصال حتى بدأت دقات قلبها العنيفة تهز كيانها، تلك الهزة انتهت مع انتهاء النغمة المتقطعة دون أن يجيب أحد..
"ما حد بيرد.. قلت لك الوقت مو مناسب!"
أخذت مرام الهاتف وبدأت بإرسال رسالة نصية..
"مرام إش بتسوي؟!"
أعادت الهاتف لسوسن بعد أن تأكدت من أن الرسالة انطلقت للدكتور عماد.. فتحت سوسن الرسالة وشهقت وهي تقرأ محتواها:
(إياد قال لي على كل حاجة! لازم تكلمني ضروري، ولو حاولت تبين لإياد إني كلمتك رح يصير شي مو طيب!)

اكتظت ردهة مركز جورج پومپيدو في قلب باريس بعشاق الفنون الحديثة، كانت تستقبلهم عند مدخل المعرض لوحة (الابتسامة الكاملة) والتي تظهر فيها النسخة المكتملة للوحة الموناليزا التي لم ينهيها ليوناردو داڤينشي في حياته، وأنهاها هناك أمام عيني حسام اللتين سجلتا كل ذرة فيها ليعيد رسمها بتفاصيلها وحذافيرها في لـوحة لم يصدق الـناس أنها مرسومة بشرياً دون أن تستنسخ وتعالج بواسطة الكمبيوتر. وكانت هناك تجمهرات أصغر عند كل لوحة من لوحات حسام الأخرى التي تناثرت في أنحاء المعرض، لوحات أقرب إلى الصور الفوتوغرافية الناطقة تلخص رحلته التي أمضاها هُناك، في العالم الذي صنعته له ملاك. وفي منتصف القاعة الرئيسية كان الاحتشاد الأعظم أمام لوحة (ملاك) النظرة الملائكية، الابتسامة التي تسيطر بسحرها على كل من يراها، والدمعة التي تكاد تنساب على سطح اللوحة التي فاقت جميع الحقائق بواقعيتها، وتجاوزت جميع الأحلام بجمال صاحبتها. أمام لوحة ملاك كان حسام يجلس على كرسي مرتفع وحوله ثلاث لوحات أخرى يرسمها في نفس الوقت، يخط بعض التفاصيل بالفرشاة في إحداها ثم يتركها لتجف قليلاً ويغمس أنامله في الألوان ليضيف لمساته على الأخرى ثم يعود ليزين الثالثة بتوقيعة وينزلها من الحامل ويبدلها بلوحة جديدة.. كان يرسم بشكل متواصل وبلا تفكير، كأنه آلة طباعة فائقة السرعة والدقة، والناس حوله مشدوهون بما تراه أعينهم ولا تكاد تصدقه عقولهم.
استطاعت جمانة أن تشق طريقها بين الجموع بجسمها الصغير وبدأت تهتف بحماس:
"واااااو عمّو حسام هذي الرسمة مره عجبتني! خلاص حاخذها في غرفتي.. بس ليش الورد أبيض؟ ما تعرف إني أحب الپيرپيل؟"
غمست أصابعها الـصغيرة في اللون البنفسجي وبدأت تقلد حركات حسام وتصبغ أزهارها البنفسجية دون أن يعترض طريقها أحد. وواصلت بينما كانت تلون بتركيز:
"عمّو حسام أبغاك ترسم وحده تانيه زيها عشان أعطيها لإلياسين، بس لون الورد بالأحمر والأزرق!"
نظرت سوسن التي كانت تراقب الموقف بين الجموع نظرة ذات مغزى لمرام وسحبت جمانة برفق من ذراعها وهي تقول:
"تعالي يا جمانة عمو حسام مشغول لا تدوشيه! وبعدين شوفي كيف لطختِ نفسك بالألوان.. يللا تعالي عشان نغسلها"
إياد الذي ارتدى سترة سوداء زادته أناقة وتألقاً كان كأحد نجوم البساط الأحمر وهو يتنقل مع الوفد الصحفي في أنحاء المعرض ويجيب على أسئلتهم بطلاقة ولباقة، متنقلاً بين لغتيه الثانية والثالثة: الفرنسية والإنجليزية. اتجه بهم نحو حسام وهو يقول:
"وهذا هو بطلنا حسام! الشخص الذي انتزع من الـموت حياة جديدة! الذي أثبت أن السوبرمان ليس خرافة على الإطلاق..!"
انقضت إحدى مذيعات القنوات التلفزيونية الفرنسية على حسام الذي توقف عن الرسم وقام عن كرسيه وهي تسأله:
"السيد حسام، ماذا تحب أن تقول بمناسبة تدشين أول معرض لك في مركز جورج پومپيدو ليتم عرض لوحاتك في نفس المكان الذي تم فيه عرض أعمال پيكاسو و دالي وهيرجيه؟"
ارتبك حسام خجلاً ولطخ مايكرفونها بالألوان عندما تناوله منها وقال:
"آآآ.. أحب أن أقول.. شكراً.. شكراً جزيلاً"
كانت إجابته مقتضبة جداً، ومحبطة جداً جداً لفضول الإعلاميين ففضلوا العودة بأسئلتهم إلى إياد الذي التفت نحو حسام وهمس له بحنق:
"آآآ.. ميغسي.. ميغسي بوكو..!هذا اللي ربنا قدّرك عليه؟! أنا أوريك يا حسام!"
عاد حسام إلى لوحاته، وعاد إياد إلى وفده الإعلامي.. دون أن يعلم أي منهما بما كان يحصل في نفس تلك اللحظة في مكان آخر.. وعالم آخر.

الهندبة، مدينة متحضرة جداً في شمال الجزيرة العربية يحتل نصفها عنق خليج العقبة المقابل لشرم الشيخ في مصر، ونصفها الآخر يغطي المنطقة البحرية والجزر المحيطة بها. تأسست إثر معركة دارت رحاها قبل ثلثماءة وخمسين عاماً بين قبائل جن الـمدائن (مدائن صالح) والقبائل النازحة من الجنوب، راح ضحيتها أكثر من مليون جني وانتهت بانقلاب الشعوب على الـعوائل التي تحكمهم وتستنزف دماءهم من أجل الحفاظ على نفوذها وسلطانها، ووُقعت إتفاقية حقوقية تضمن التعايش السلمي المثمر لمختلف الطوائف بغض النظر عن أعراقها وثقافاتها ومعتقداتها. أدى الازدهار العمراني البشري لنزوح المزيد من الجن من الجنوب والشرق (السعودية) والشمال (فلسطين) والغرب (مصر) واستقرارهم في الهندبة كونها لاتزال نائية عن المناطقة المأهولة بالبشر. كان أقرب معلم بشري لها شارع مقفر وفيه مسجد شبه مهجور، لم يقاطع سكونه سوى اهتزاز الهاتف المحمول المخبأ في الغرفة الصغيرة تحت منبر المسجد التي تحمل عادة جهاز التضخيم المتصل بالمايكروفونات. اهتز الهاتف بلا صوت ثم عاد وبقي ساكناً لعدة ساعات، إلى أن فُتح باب الغرفة، وارتفع الهاتف في الهواء وانفصل عنه سلك الـشاحن، واختفى ذلك الهاتف فجأة.
في الـضواحي الجنوبية للهندبة على الـجزء البري منها وبعيداً عن أحيائها الـصاخبة كان هناك بيت متواضع يطل على شاطئ البحر مباشرة يغلفه الهدوء في العادة، إلا عندما تستثير شقاوة إلياسين أعصاب أمه جمارى فيجن جنونها وتصرخ:
"إلياسيييييييييين!! كم مرة أقول لك لا تروح جدة لوحدك؟! والله لأقول لأبوك عشان يوريك شغلك!"
في تلك اللحظة فُتح باب البيت وأطل حوجن الذي أنهكه العمل الشاق، فانطلق إلياسين راكضاً إلى حضن والده، واستمرت جمارى في التوبيخ:
"حوجن! لازم تشوف لك حل مع إلياسين! برضو راح لجدة اليوم لوحده!"
جلس حوجن على ركبتيه وتأمل عيني إبنه إلياسين وحدثه وكأنه جني بالغ:
"إلياسين.. أنا ما قلت لك ما تروح لجدة من غيري؟ الطريق خطر.. جن الهوام ممكن يآذوك!"
"أنا إلياسين الفيحي! لو جن الهوام قربوا مني أحرقهم!"
"إنت إلياسين المغرور! وغرورك يضعفك ما يقويك.. وبعدين مين يحرس أمك وجدتك وأنا في الشغل؟ أنا أتطمن عليهم عشان إنت تحرسهم!"
نجح أسلوب حوجن مع ابنه العنيد إلياسين، فواصل:
"خلاص بكرة جمعة، نروح لجدة مع بعض"
"رحت الـيوم ما لقيت أحد في البيت.. جمانة قالت لي إنهم بيسافروا عند جدتهم"
"خلاص لو سمعت الكلام آخذك ونروح عندهم!"
انطلق إلياسين من فرط سعادته، وأقبلت جمارى نحو حوجن بقلق عندما لاحظت الهاتف المحمول في يده وعلامات التوتر على وجهه.
"ليش جبت الجوال يا حوجن؟ إياد اتصل عليك؟"
"جاني اتصال.. لكن مش من إياد.."
قالها وناولها الجوال لترى الرسالة التي استقبلها في هاتفه المحمول.. رسالة أشعلت قلقها.. وفجرت غيرتها.. رسالة من سوسن!

جمانة طفلة مرحة، تعيش حياتها بالمبدأ الذي يعتنقه معظم الأطفال في سنها: وما الحياة إلا لعبة كبيرة.. قفزاتها لا تكاد تتوقف، وكذلك أسئلتها، والمشاكل التي تثيرها، ولكنها تحسن استغلال براءتها لممارسة شقاوتها دون أن يجرؤ أحدٌ على الاعتراض. كانت تتهادى على حافة أحواض الزرع في ذلك الـركن الـهادئ في مركز پومپيدو حيث فرت سوسن ومرام من الصخب وجلستا لاحتساء القهوة.
قفزت جمانة من على حافة حوض الأزهار فارتطمت بشاب طويل يرتدي قميصاً أسود بأكمام مشمرة وجينز ونظارات رياضية عاكسة تخفي عينيه تماماً. انحنى الشاب نحوها ومد يده التي كانت معقودة خلف ظهره ليناول جمانة علبة صغيرة ويسألها:
"جمانة.. صح؟!"
زغللت الهدية عيني جمانة التين انعكستا على نظارة الشاب ففتحت ربطتها دون أن تجيب وجحظت عندما رأت السلسة الذهبية المرصعة بالخيول الملونة التي تظهر في برنامجها الكارتوني المفضل: ماي ليتيل پوني. أتت سوسن مسرعة وضغطت بأصابعها على ذراع جمانة وخرجت الكلمات التوبيخية من بين أسنانها المطبقة:
"اللي يعطينا حاجة إش نقول له يا جمانة؟!"
نظرت جمانة نظرة خاطفة إلى الـشاب الطويل وانحنت بطريقة استعراضية وهي تقول:
"Merci beaucoup monsieur!"
وركضت وهي تتقافز فرحاً بإسورتها، تاركة سوسن في ذلك الموقف المحرج أمام الشاب الذي بادرها بلغة عربية فصحى:
"أنت السيدة سوسن أليس كذلك؟!"
أومأت برأسها إيجاباً وهي تقول:
"جمانة طفلة شقية.. أرجو المعذرة سيد..."
"بنيامين.. اسمي بنيامين"
"تشرفنا سيد بنيامين"
"في الحقيقة كنت أبحث عن السيد إياد، فأنا على موعد معه"
انطلقت به نحو إياد الذي كان لا يزال مشغولاً مع حسام بوفود الإعلاميين قبل أن تقاطعه سوسن:
"إياد فيه واحد بيسأل عنك.."
تقدم الشاب ليصافح إياد بحرارة وهو يقول:
"سيد إياد، يشرفني أن ألقاك أخيراً وجهاً لوجه، خارج إطار الإيميلات"
"سيد بنيامين، سعيد جداً بلقائك!"
كان إياد متفاجئ من تحدث بنيامين للعربية بطلاقة بالرغم من أن المراسلات الإلكترونية بينهما كانت كلها بالإنجليزية.. فلم يستطع إخفاء إندهاشه وهو يقول:
"لم أكن أعلم أنك تجيد العربية أيضاً!"
ابتسم وهو يجيبه..
"لـماذا تتعجب؟ بسبب اسمي؟ اسمي عربي صميم: بن.. يمين.. ابن اليمين!"
تقدم حسام ليلقي التحية على بنيامين وهو يقول:
"بنيامين أخو سيدنا يوسف!"
تجاهل بنيامين الألوان التي تلطخ يدي حسام فمد كفيه ليصافحه بحرارة وهو يعقب ويضغط على حروف كلماته:
"بنيامين ابن سيدنا إسرائيل!"
انتقل الثلاثة إلى غرفة الاجتماعات الصغيرة فاقتحم إياد الموضوع مباشرة:
"كان اختيارنا لمركز جورج پومپيدو موفق للغاية! النجاح الذي حققه المعرض جهزنا وبقوة للخطوة المقبلة"
عقب بنيامين على عبارته:
"الخطوة الهوليووديه"
واصل إياد بحماس:
"لا بد أن يكون إنتاجاً ضخماً، لا بد أن نتعاون مع أفضل المخرجين!"
"المخرج في انتظار اتصالنا!"
فاجأهما بنيامين بهذه العبارة ووضع هاتفه بشكل أفقي على الطاولة الصغيرة أمامهم وأجرى اتصالاً مرئياً وسرعان ما ظهرت صورة رجل أشقر في منتصف الأربعينات لا تخفي تعابيره علامات اللهفة:
"كريس، اسمح لي بتقديم الـسيد حسام والـسيد إياد الذين حدثتك عنهما"
كانت مفاجأة صاعقة لحسام وإياد أن يريا كريستوفر نولان شخصياً أمامهما.. فاعتدل إياد في جلسته وهو يقول:
"لم نكن نتخيل أننا سنحظى بشرف الاتصال بك مباشرة سيد كريستوفر!"
قاطعه كريستوفر بلهجته الأمريكية المبهرة بالقليل من البريطانية:
"سررت بلقائكم.. وصلتني صور بعض اللوحات التي رسمها السيد حسام.. في الحقيقة إلى الآن أجد صعوبة في استيعاب التقنية التي رسمت بها. أستطيع أن أتخيل أن هناك من لديه ملكة عالية في بث الروح من خلال لوحاته، لكن الأمر المحير هو الدقة المتناهية، كلما كبّرت الصورة كلما ظهرت المزيد من التفاصيل المذهلة!"
أجابه إياد الذي تعود على هذا النوع من الأسئلة في لقاءاته الصحفية:
"لقد أنجز حسام بعض تلك اللوحات في أقل من ثلاث ساعات!"
وعقب بنيامين:
"كريس، لقد أمضيت خمسة عشر عاماً في العمل على أفلامك التي غيرت معالم الـسينما، إنسيبشن ثلاثية باتمان، وأخيراً ثلاثية سوبرمان.. نحن لدينا هنا قصة تتوج جميع أفلامك وتجمعها في بوتقة واحدة"
التهم الفضول الجميع، فواصل بنيامين:
"حسام انتقل إلى عالم آخر، صممته حورية في الجنة"
"مثل تجربة هندسة الأحلام الواقعية في فيلم إنسيبشن.."
قالها كريستوفر فتدخل حسام هذه المرة:
"لم يكن عالـماً افتراضياً أبداً سيد كريس، بل عالم واقعي ملموس ومحسوس أكثر بكثير من عالمنا هذا، لدرجة أنني أشعر أن حياتي هنا ضبابية بالنسبة للفترة التي عشتها هناك"
استمر بنيامين في طرحه:
"عندما انتقل حسام لذلك العالم، عاش بالفعل تجربة صراع مع الجوكر تقمص خلالها شخصية باتمان وأتقن جميع مهاراته"
"نعم.. لقد رأيت مجموعة اللوحات التي جسدت تفاصيل تلك المعركة.. مذهلة فعلاً !"
"حسام التقى هناك بليوناردو داڤينشي وبيتهوڤن وبروس لي، وأتقن مهارات كل منهم على حدة، بالإضافة إلى ذلك تحول إلى ظاهرة طبية محيرة بعد استيقاظه من الغيبوبة، طفرة عامة غيرت جميع وظائفه الحيوية وتضاعف معدل تجدد الخلايا في جسمه، باختصار استيقظ من غيبوبته كسوبرمان حقيقي!"
كان اهتمام كريستوفر نولان يتضاعف مع كل كلمة، فأمامه فرصة لصناعة فيلم تتوج أساطيره السينيمائية، فيلم جاهز بتفاصيله وأحداثه والأهم من ذلك بطله الخارق. فرصة بهذا الحجم لن يفوتها صانع أفلام ككريستوفر:
"متى يمكننا أن نجتمع؟"
رد بنيامين على سؤال كريستوفر:
"متى يمكنك تحديد موعد مع وورنر بروذرز؟"
"في أي وقت! يمكنني أن أجتمع بهم اليوم إن أردت"
"ممتاز، إذاً حدد اجتماعنا بعد عشر ساعات"
قالها بنيامين وأنهى الاتصال المرئي مع كريستوفر فبادره إياد:
"لابد أن نبدأ بالتجهيز للاتصال المرئي مع وورنر بروذرز، ليس لدينا ما يكفي من الوقت!"
"وهل تظن أنك ستعقد صفقة بمئات الملايين عبر اتصال مرئي؟"
"ماذا تقصد؟"
فهم حسام مغزى بنيامين فقال بهدوء:
"ليست لدي تأشيرة دخول للولايات المتحدة"
"لا تهتم، رجالنا سيتكفلون بكل شئ، لا بد أن ننطلق بعد نصف ساعة!"
قالها بنيامين فانفجر إياد متوتراً وهو يقول:
"تقصد أننا سنسافر لنيويورك؟ هل أنت جاد؟"
"أنا لا أجيد المزاح يا صديقي"
"كنت أظن أنني أكثر أهل الأرض جرأة وجنوناً.. هي منافسة بيننا إذاً"
ابتسم بنيامين لأول مرة منذ أن قابلهم وقال:
"لم ترَ شيئاً بعد! طائرتي الخاصة جاهزة، سننطلق على الفور. يجب أن تبلغوا سوسن ومرام وإدارة المعرض أنكم ستتغيبون لـمدة أربعة وعشرين ساعة!"

لم تذق سوسن طعم النوم منذ أن أرسلت مرام الرسالة النصية للدكتور عماد زكي، يدها لا تكاد تترك الهاتف، تقفز مع كل اتصال وكل رسالة وهي في انتظار رده. كانت متكئة على كفها تراقب أضواء السيارات والطريق وهي عائدة مع مرام وجمانة إلى الفندق.. وقفز قلبها. قفز عندما تلقى انطلق رنين هاتفها، وهدأ عندما اكتشفت أنه إياد:
"سوسن! تتذكري إش كنت أقول لك لـما اتفرجنا أفلام باتمان وسوبرمان؟"
"إياد؟ خلصت اجتماعك؟"
هتف بحماس:
"ما جاوبتيني.. إش دايماً أقول لك في الأفلام؟"
"ايوه، دايماً تقول انه نفسك تحضر تصوير مع هاذاك المخرج"
"اسمه كريستوفر نولان! مو هاذاك المخرج.. المهم إحنا اجتمعنا معاه اليوم، جهزي لي البدله والجواز أول ما توصلي، رح أعدّي آخذهم ورايحين المطار!"
"من جد تتكلم؟ رايح المطار؟"
"اجتماعنا في نيويورك مع وورنر بروذرز بعد عشر ساعات! رايحين في طيارة بنيامين الخاصة.. لا تقلقي حنخلص الاجتماع ونرجع على طول في نفس اليوم"
"تتكلم كأنك رايح تشرب قهوة وراجع! أخاف عليك يا إياد ما حاسيبك تروح لوحدك.. رجلنا على رجلك!"
"سوسن!! كيف آخذك إنت وجمانه في رحلة متعبه زي ذي؟ خليكِ في الفندق مع مرام وجمانه أخرجوا اتمشوا انبسطوا، وبكره رح تلاقيني رجعت لك"
"ربي يوفقك يا إياد ويحقق لك كل أحلامك ويحميك لي"
"أحلامي كلها اتحققت في اللحظة الـلي قبلتي تتزوجيني يا سوسن.. الـباقي كله عباره عن إكسترا بونص.. يللا يللا مع السلامة عندي مليون شغلة لازم أجهزها"
"مع السلامة يا بكّاش"
تدليل إياد لها ملأ وجنتيها بحمرة الدماء كالعادة، ولكن الحمرة ازدادت ورافقتها رعشة بسبب خفقان قلبها عندما رن هاتفها مرة أخرى.. وكان الاتصال هذه المرة من الدكتور عماد زكي..
أو بالأصح من حوجن!

---------------------------------------------------------


حاشية الحلقة:
فندق ماريوت – شانز إليزيه:
http://www.marriott.com/hotels/travel/pardt-paris-marriott-hotel-champs-elysees/

معزوفة بيتهوڤن موون لايت سوناتا (المقطع الذي عزفته جمانة):
http://www.youtube.com/watch?v=zucBfXpCA6s

معزوفة بيتهوڤن موون لايت سوناتا (كاملة):
http://www.youtube.com/watch?NR=1&v=4Tr0otuiQuU&feature=endscreen

مركز جورج پومپيدو:
http://www.centrepompidou.fr/

المسجد القريب من الهندبة:
http://www.panoramio.com/photo/56793862

كريستوفر نولان:
http://www.imdb.com/name/nm0634240/