Saturday, February 16, 2013

الحلقة الثالثة: العين بالعين!

الإنسانية.. ماهي الإنسانية؟
هي منظومة من العواطف والانفعالات والقيم التي تنسبونها لأنفسكم أيها البشر.. لأنكم وبكل بساطة لا تحتكون بشكل مباشر بكائنات أخرى تشاطركم نفس تلك الانفعالات. تنسبونها حصراً للجنس الإنساني البشري من منطلق غروركم وقصوركم عن فهم العوالم المحيطة بكم.
نعم أنا لست من عالمكم، ولكنني متيقنة بأني أحمل من تلك العواطف التي تنسبونها لأنفسكم كماً لا تستوعبه مقاييسكم، تلك العواطف هي نزعات الفطرة التي تفيض بها الروح، مهما كان العالم والجسد التي بعثت فيه تلك الروح.. هي نفحة من الله.. هناك من يتسامى بها.. وهناك من يهبط بعيداً عنها في قاع هوسه المادي.
فلنتفق إذاً على أن نستعيض عن كلمة "إنسانية" بلفظ "روحانية" الذي يليق بشموليتها لجميع العوالم بما فيها عالمكم وعالم الجن.. وعالمي.
تلك النزعة الروحانية هي التي جعلت قلب سوسن يهتز بكل عنف ويستنفر الدماء من جسمها فيحبسها داخل حجراته رغم خفقانه العنيف عندما نظرت إلى المكالـمة الواردة من Dr. EZ، كادت أن تتجاهلها لوهلة لولا أنها كانت متأكدة أن هذه المكالمة هي أملها الوحيد في معرفة ما إذا كان هناك فعلاً جني ضحى بحياته لينقذ حياتها، أم أن كل ذلك كان مجرد سيناريو خدعها به عقلها الـباطن لتفر من واقعها. استقبلت مكالـمة الدكتور عماد، فشلت في نطق الكلام، انتقلت خفقات قلبها إلى قلبه، وأخرس صمتها لسانه، مرت دقيقة كدهر، لم يقاطع الـصمت خلالها سوى صوت استنشاقها لدموعها.. حتى أنهاه بسؤاله المرتجف:
"سوسن.. كيفك؟"
"حوجن.. حرام عليك..!"
صدمته مواجهتها المباشرة، لم تسعفه الكلمات للمراوغة فانفجرت:
"ليه يا حوجن؟ ليه؟ ثمانية سنين وأنا ماني عارفة إذا كنت عايش وللا ميت.. ثمانية سنين ماني عارفة إذا كنت حقيقة وللا وهم.. ليه يا حوجن؟!"
استسلم لانهيارها فواصلت:
"لا تحاول تقنعني إنه هذا كله عشاني! تحرق قلبي عشان تحافظ على عملية مخي؟ تخيّل لو كنت أنا اللي اختفيت من حياتك فجأة وقعدت ثمانية سنين ما تدري عني؟!"
أكملت انهيارها ببكائها، ولم يجرؤ حوجن على النطق سوى بعبارة واحدة:
"سوسن.. إش اسم الفندق اللي قاعدين فيه؟"
جذبها سؤاله من بكائها بشدة فقالت بدهشة:
"ماريوت شانز إليزيه، ليش؟"
"أنا جاي في الطريق"
انتهت المكالـمة، ولم تنته الهزة العنيفة التي اجتاحت قلبي سوسن.. وحوجن.

اقتربت سيارة بنتلي مولسان سوداء معتمة من الـخارج والداخل، من مدخل فندق الـماريوت، وقبل أن يتوقف سائقها الآلي قفز منها إياد ولحقه حسام وانطلق من داخلها صوت بنيامين:
"أمامكما ثلاث دقائق"
كانت سوسن في انتظار إياد بحقيبته وجواز سفره، دخل الغرفة وتناولهما منها قبل أن يلتقط أنفاسه:
"سوسن لازم أكون في الطيارة بعد نص ساعة، انتبهي لنفسك ولجمانة يا عمري"
قبّل جمانة وسوسن وهم بالمغادرة دون أن يلاحظ نظرة التوتر والقلق التي ملأت كيان سوسن.
"دقيقتين وأربعة عشر ثانية"
قالها بنيامين عندما انطلقت بهم البنتلي التي تقود نفسها آلياً فرد عليه إياد بزهو:
"أنت مدين لنا بستة وأربعين ثانية إذن!"
"لو حددت لكم دقيقتين لانتهيتم في دقيقة ونصف، الإنسان يبرمج نفسه بناء على سقف طموحه! على العموم احتفظوا بكل ثانية لأنكم ستحتاجونها بشدة فيما بعد!"
نهشت إطارات البنتلي شوارع باريس وانطلق برنامج القيادة الآلية بضعف السرعة القانونية ولم يجرؤ رجل شرطة واحد على اعتراضها بسبب لوحتها المميزة التي تعطي ركابها حصانة لا ينالها سوى الرئيس الفرنسي نفسه. توقفت آلياً بمحاذاة نقطة التفتيش، تفاجأ الشرطي لوهلة عندما نزل الزجاج الخلفي للسيارة ولاحظ عدم وجود السائق، فتكنولوجيا القيادة التلقائية لا تزال في مهدها.. ولكن جواز بنيامين الدبلوماسي أنهى دهشته وحولها لجملة ترحابية جادة وهو يسمح لهم بالمرور. انعطفت البنتلي في الطريق الـمؤدي إلى مدرج الـطائرات الخاصة وتوقفت أمام سلالم إحداها حيث كانت تنتظرهم إليانا الفتاة التي امتزجت في ملامحها خطوط الحسن الإفريقي والأوروبي وأعاد إليها زي مضيفات الـطائرة بعض أنوثتها التي عادةً ما تختفي خلف الأزياء العسكرية.

يقولون.. النوم سلطان..
ولكن سلطاته تتلاشى أمام لهفة الأطفال، وهموم الكبار.. لذا فقد أعلن استسلامه تلك الليلة أمام جمانة وسوسن. سوسن التي لم تتهاون يوماً في مواعيد نوم جمانة، جلست شاردة الذهن على طرف السرير بعد ذهاب إياد، وبقيت جمانة تتقافز حولها غير مصدقة أن أمها لم تصدر أوامرها لها بالنوم، بل وتفاجأت عندما حضنتها دون أن تغادر شرودها وقبّلتها على رأسها، وحملتها وكأنها تخاف أن يختطفها أحد من بين ذراعيها، ونزلت لبهو الفندق.
جلست على المقعد، عيناها الشاردتان تسمرتا جهة بوابة الفندق وانعزلت تماماً عن العالم بينما واصلت جمانة لعبها الأحادي مع نفسها والاستمتاع بلحظات منتصف الليل التي لم تشهدها في حياتها سوى مرات معدودة.
كانت خلايا مخ سوسن تنبش ذكرياتها مع حوجن، وتوقفت عند آخر حوار دار بينهما، تذكرته حرفياً، تذكرت تلك الليلة عندما انهمكت بمشاهدة مجموعة من أفلام اليوتيوب، بالذات ذلك الفيلم الذي ظهر فيه أحد العلماء يتحدث بإسهاب عن نظرية الأبعاد الأحدعشر المتداخلة، لم تكن تعلم أن حوجن كان يشاركها المشاهدة، والاندهاش، فقد أدرك أن كل ما كان يقوله ينطبق تماماً وبشكل منطقي على ما يحدث لهم في عالمي الإنس والجن. كان حوجن يجلس على الـسرير بجوار سوسن، فأيقظته من شروده عندما هتفت:
"حوجن؟ حوجن إنت هنا؟!"
كانت تشعر بوجوده حولها.. الرابط الذي يجمع أرواحهما لا يعترف بالأبعاد التي تفصل عوالم الإنس والجن، ألقت سوسن سؤالها وفتحت برنامج الكتابة على الآيپاد وقربت يدها من لوحة المفاتيح فمد حوجن يده وحركها مع يدها وأجابها:
"الكلام اللي يقولوه في هذا البرنامج يفسر كل شي!"
"أنا ما فهمت ثلاثة أرباعه!"
"كنت دايماً أتساءل لـيش التأثير بين عالمكم وعلمنا مفتوح من جهة وحدة بس؟! ليش كل شئ في بعدكم الـمادي يؤثر علينا وعلى بعدنا بينما العكس غير صحيح؟"
"طيب ممكن يا أستاذ ستيڤن هاوكنغ تشرح لي اللي فهمته؟"
"قولي لي يا سوسن، إنتِ الآن إش شايفه في الغرفه؟"
"شايفه كل شي! السرير والدولاب والمكتب والشباك والأزهار والسماء والسحاب.."
"بس؟ هذا كل شي إنتِ شايفاه؟"
"وشايفه جني حليوه لطيف وظريف جالس جنبي!"
"لا يا شيخه! من جد قوليلي.. طلي يسارك بالضبط على السرير، ما لاحظتِ أي شي؟"
كانت سوسن تنظر نحوه مباشرة ولكن عينيها اخترقته.. ويدها أيضاً عندما تحسست السرير بجوارها.. وبدأت تضرب السرير بلطف وهي تقول:
"يعني إنت دحين هنا؟ يفترض إني قاعده أخبط فيك الآن؟"
"يدك وأصابعك مرت بوجهي، حسيت بها كأنها هواء مضغوط، شفت عروقك ودمك لـما يدك مرت على عيني!"
"أوووه شعور يحمس.. طيب ما شرحت لي إش اللي فهمته من الفيلم؟"
"أنا الآن بأمرر يدي على يدك ووجهك، أحسها زي.. زي القطن، بس ماني قادر أخترق الآيپاد بيدي، أحسه قاسي، إحنا نقدر نخترق الأشياء الغازية والـسائلة وشبه الـصلبه في عالمكم، ولكن كل ما تزيد كثافة الجسم يصعب علينا اختراقه!"
"يعني لو قفلت عليك الباب ما تقدر تطلع؟"
"قلت لك إني اتحبست في غرفتك أكثر من مره!"
هبت سوسن على الفور وأغلقت باب الغرفة وشباكها وقفزت على السرير مرة أخرى وقالت بمرح طفولي:
"يللا وريني كيف تقدر تهرب يا حضرة العفريت!"
"لو كنت عفريت فعلاً كان قدرت ألمسك وتلمسيني! العفاريت يقدروا يتجسدوا في عالمكم!"
"ياااه من جد؟ يعني لو كنت عفريت تقدر تشيلني وتوديني معاك لعالم الجن؟"
"ياريت!"
"من جد يا حوجن؟"
نبرتها وهي تقولها أرعبته فقد شعر بتماديه وتسرعه، شعر بأنها فعلاً تود الفرار معه وإن تخلت عن عالمها وعاشت بين العفاريت! فحاول أن يناورها:
"بس يا سوسن العكس غير صحيح، الأجسام والمواد والضوء والصوت اللي في عالمكم تؤثر في عالمنا ولكن ولا شي في عالمنا يوصل لعالمكم، بسبب ارتفاع الذبذبة! الجن مثلاً يترعبوا من الـسكك والسيارات، ياما جن ماتوا في حوادث، عشان كذا إما نبعد عنها أو نركب معاكم أو.. نطير!"
"حوجن؟ تقدر تطير؟!"
"الجاذبية الأرضية خفيفة جداً علينا.. أعمامي كانوا يطيروا لحد الفجاج"
"كلمني عربي يا حوجن لو سمحت!"
"الفجاج مصطلح نطلقه على مناطق معينه في أطراف الغلاف الغازي، في أقطاب معينه حول الأرض على ارتفاع يوصل لمئة كيلو تقريباً، تتلاقى فيها المسارات المغناطيسية وتفتح بوابات للأبعاد الأعلى.. أبعاد الملائكة الموكلة بتسيير أمور الأرض"
"حوجن.. إنت قاعد تتكلم عن استراق السمع صح؟"
"صح يا سوسن.. لـكن الحكاية صعبة جداً، هذي المسارات المغناطيسية تزيد فيها الشهب، الجني ممكن يموت بسبب سيارة ماشية بسرعة سبعين كيلو في الساعة، مابالك لو خبطه شهاب معدني مصمت بسرعة سبعين كيلو في الثانية؟"
"بس نادراً ما نشوف الشهب!"
"الشهب بتمطر على الأرض بالملايين كل يوم يا سوسن، عمي مات قبل عشرين سنة في شهاب، كان يشتغل لصالح ساحر في الحبشة"
ارتسمت علامات الـرعب على عيني سوسن، فتدارك حوجن الموقف بسرعة:
"سوسن.. أنا أبوي كان من مردة الشياطين، لكن تاب لما حب أمي وقرر يهجرهم وأخذنا نعيش بعيد عنهم"
"أبوك كان يقدر يأثر على عالمنا؟"
"إحنا من عائلة الفيحي.. من نسل الجن اللي كانوا يخدموا سيدنا الملك سليمان، أكثر هذي العوائل اختلطت بباقي الجن وفقدت قدراتها مع الزمن، قليلين جداً احتفظوا بها.. ومنهم أبوي الله يرحمه"
"طب وإنت يا حوجن؟ ما ورثتها؟"
"ما أعتقد"
"يعني ما فيه أمل إني أشوفك أو ألمسك؟"
"والله ما أدري يا سوسن.. الطريقة الوحيدة المتاحة إني.."
"إنك إيش يا حوجن؟"
"لازم أخدم المردة وأروح عند اللعين"
"اللعين؟!"
"إبليس.. ملك الشياطين!"
"وي.. أعوذ بالله أعوذ بالله!"
"اللعين مو زي ما إنتو متخيلين.. اللعين زعيم لتكتلات الـمردة والشياطين في العالم، صدقيني زيه زي الزعماء الدكتاتوريين في عالمكم بالعكس بالنسبة لكم هم أخطر وألعن منه! في النهاية الزعيم وشياطينه ما يقدروا يضروا أي إنسان، إلا لو سمح لهم يتدخلوا في حياته.."
"يعني إبليس ومملكة الشياطين ما يقدروا يسووا لي شي؟"
"لا طبعاً، لو إبليس وشياطينه يقدروا يضروا البشر بشكل مباشر ما كان قصّروا! تعداد الجن يتجاوز تعدادكم بعشرة أضعاف تقريباً، معظمهم من ممالك الشياطين، ومع ذلك عمرك سمعتِ إنه في إنسان اتجمعوا عليه الشياطين وضربوه أو قتلوه؟ بالعكس الجن يخافوا منكم أكثر مما تخافوا منهم، لأن خطركم وتأثيركم عليهم أكبر بكثير من تأثيرهم عليكم"
"سمعت إنه في مثلث برمودا صح؟"
"إش يعني مثلث برمودا؟"
"منطقة في البحر جنب أمريكا"
"فعلاً لما زرناه قطعنا الأطلنطي أنا وأبوي وأعمامي"
"إنت زرته؟"
"رحت مرة وحدة مع أبوي قبل ما تتوتر علاقته مع أعمامي.. كنت لسا ما عديت الثلاثين"
"يعني فعلاً إبليس في مثلث برمودا! عشان كذا تختفي الطائرات والبواخر هناك!"
"مستحيل يأثروا على عالمكم الـمادي إلا لو فتحوا المجال بين العالمين، بس غالباً يفتحوه لأغراض خاصة ومحدودة جداً عشان ما يفضحوا نفسهم؛ إلى الآن بيحاولوا فتح بوابة بين العالمين تمكن الجن العاديين انهم ينتقلوا لعالمكم بسهولة؛ بس أكثر الجن والإنس اللي حاولوا يعبروها ماتوا في خلال ثواني، الوحيد اللي قدر يخلي البوابات بين البعدين مفتوحة هو سيدنا الملك سليمان؛ ومن يوم ما مات واختفت معظم كتبه صار التنقل بين العوالم شبه مستحيل وما يقدر عليه غير العفاريت والـمردة، وحالات نادرة جداً من الإنس اللي ما ماتوا أثناء الانتقال"
"يعني لو انتقلت لعالمكم أموت؟"
"بعيد الشر عنك يا سوسن!"
"تخاف علي يا حوجن؟"
"طبعاً!"
"لأي درجة؟"
"لدرجة إنه نفسي يكون السرطان فيني مو فيكي.. لو علي أضحي بنفسي عشانك"
"بعيد الشر عنك يا حبيبي"
قالتها بعفوية وتلقائية.. فاسكتهما الخجل.. إلى أن قالت:
"حوجن.."
"إيوه يا سوسن.."
"تحبني يا حوجن؟"
هذا السؤال بالذات إذا سألته الفتاة فهو كالطلقة، لا بد أن تأتي الإجابة عليه في غضون أجزاء قليلة من الثانية، قبل أن يرتطم الصمت بقلبها ويحطمه.. ولكنها ألجمته فعلاً.. فحاولت أن تستدرك من أجل كرامة أنوثتها:
"أصلاً كيف تحب وحدة من البعد المتدني حقنا.. وعمرها يادوب ربع عمرك و..."
لم يسمح لكرامتها بالنزيف فقاطعها:
"أحبك!"
تحولت خدودها من الأبيض للزهري للأحمر في ثانية، ولفّت طرف خصلة شعرها بين سبابتها وإبهامها وعظتها بطرف شفتيها كعادتها عندما يكتسحها الخجل، فتفجر المزيد من ذلك الخجل وحوجن يكرر:
"أحبك.. أحبك.. أحبك يا سوسن! والله أحبك!"
"خلاص يا حوجن يوه! حتخرب لي الآيپاد!"
"على فكرة كل كلمة أكتبها على الآيپاد أنطقها.. إنتِ طبعاً ما تسمعيني حتى لو زعقت"
"يا حظك! إنت تسمعني وتسمع نفسك، وأنا ما أسمع غير نفسي، باتكلم مع نفسي زي المجنونة!"
"يعني كونك جالسة ساعة بتطقي حنك مع جني هو عين العقل؟"
"تتريق يا حوجن؟! والله لأوريك!"
قالتها وسحبت إحدى مخداتها وبدأت تضرب بها في الهواء وعلى السرير في المكان الذي يجلس فيه، أو بالأصح الذي كان يجلس فيه فقد ارتفع قليلاً عن السرير ليراقبها ويستمتع بضحكاتها الطفولية..
"سوسن.. سوسن؟.. سوسن!!"
هزت مرام كتفي سوسن بقوة لتجبرها على مغادرة شرودها وذكرياتها مع حوجن، فأجابتها سوسن بنظرة خاوية وواصلت مرام:
"إنتِ تبغي تجننيني؟ قلقت عليكِ! اتصلت بالغرفة ستين مرة محد رد، ولما يئست نزلت قلت يمكن ألاقيكِ هنا"
لم ترد سوسن بكلمة، فكيانها كله كان يسبح في وادٍ آخر لا علاقة له بعالمنا، تفهمت مرام ذلك فجلست بجوارها وحاولت امتصاص بعض توترها:
"سوسن إش اللي قالقك؟ عشان حتقابلي حوجن؟ مو المفروض تفرحي؟ أخيراً رح تتخلصي من حيرة السنين اللي راحت وتعرفي كل شي!"
ردت عليها سوسن من قلب شرودها وعيناها لا تزالان متسمرتان في مدخل الفندق:
"ليتني ما سمعت كلامك يا مرام! ماني قادره.. قلبي حيوقف!"
"ياشيخة لا تهولي الأمور، أنا اللي المفروض أترعب! إنتِ متعودة على الجن، لكن أنا حاقابل جني لأول مرة اليوم.. على قد ما أنا متحمسة على قد ما أنا ميتة من الخوف!"
كانت الحركة أمام البوابة تتضاءل مع تأخر الوقت، لم يبق سوى حارسي الأمن وبعض منسوبات الفندق، والقليل من النزلاء العائدين من سهراتهم الباريسية. دارت البوابة الوسطية للفندق وأطل منها رجل في نهاية عقده الثالث، يحمل وسامة حوض البحر المتوسط بملامحه السمراء الحادة وعضلاته المفتولة وقامته الفارعة؛ تتأبط ذراعه حسناء عشرينية، لفتة منها كفيلة بإدخال جميع اللاتينيات في حالة إحباط مزمن؛ يرتديان ملابس أبهرت جميع من في البهو، وكأن سلطان الأزياء الفرنسي كريستيان ديور ومساعده الجزائري الوهراني إيڤ سان لوران استيقظا من سباتهما فقط ليصمما تلك البدلة السوداء الأنيقة والفستان المخملي الأحمر الداكن. لسبب ما شعرت سوسن بشلل تام في قلبها، وانطلقت شهقتها عندما برز من خلفهما صبي وركض نحوهم وهو يهتف:
"جمانه!! سننّا جمانه سننّا!!"
التفتت إليه جمانه وركضت نحوه وهي ترد على تحيته العجيبه:
"سننّا إلياسين! سننّا!"
انتشر الـشلل في أوصال سوسن، حاولت أن تقف.. اتكأت على طرف المقعد.. ولكن الخدر أفقدها توازنها وكادت أن تقع فهبت مرام لتسندها وهي تراقب ذلك الـرجل وزوجته وهما يتجهان نحوهما مباشرة.
نجحت تلك الطائرة الخاصة في إبهار إياد بالرغم من حياة الرفاهية التي اعتاد عليها، وإبهار حسام أيضاً الذي عاش بضعة أيام في الجنة، النوافذ هي الشئ الوحيد الذي كان يذكرهم بأنهم في داخل طائرة لا في قاعة استقبال كبار الشخصيات في إحدى القصور الرئاسية. كراسي جلدية وثيرة عملاقة متحركة لكل منهم مرتصة بشكل نصف دائري حول طاولة اجتماعات وشاشة غطت معظم الجدار الفاصل بينهم وبين كابينة القيادة، انقضت السويعات الأولى في حوارات محتدمة حول كيفية استغلال تلك الفرصة السينمائية الرائعة لأقصى حد، كان إياد أكثرهم حماساً وهو يقول:
"مليار دولار! أتوقع أن تحطم مبيعات التذاكر حاجز المليار دولار!!"
ابتسم بنيامين وهو يقول:
"مليار دولار؟ فقط؟ هذا سقف طموحاتك؟!"
"لو تكلمنا عن طموحاتي أنا شخصياً فأعتقد أنه لا يرضيها أقل من أن يحطم الفيلم مبيعات جميع الأفلام على مر التاريخ!"
ابتسم بنيامين ابتسامة ساخرة وهو يخرج من جيبه ورقة بمائة دولار ويحدق فيها أمام عينيه مباشرة حتى بدا الـتوتر على ملامح صورة بنيامين فرانكلين المطبوعة على الـمائة دولار والمنعكسة على نظارة بنيامين المعتمة.. وكان توتر فرانكلين في محله عندما باغته بنيامين وشطر وجهه نصفين وهو يمزق المائة دولار وابتسامته تتسع وتتحول لضحكة خفيفه وهو يمزقها لقطع صغيره ويكومها على راحته ثم ينفخها لـتثير عاصفة دولارية أمام وجوه الجميع. قطع ذهولهم بعبارة ساخرة:
"الدولار.. هذا كل ما يهمكم.."
رد عليه إياد معترضاً:
"ومن لا تهمه الدولارات؟ المثاليات لا وجود لها إلا في الكتب والأساطير، أما الواقع فلا يعترف إلا بالبانك نوت يا صديقي!"
"لقد مزقت ورقة! مجرد ورقة، لا قيمة لها سوى صورة بينجامين فرانكلين العالم المخترع الموسيقي الـكاتب الدبلوماسي الذي كافؤوه على عبقريته وإنجازاته بوضع صورته على إحدى أفظع الجرائم التي مرت على البشرية!"
تدخل حسام أخيراً وقال بهدوء:
"هل تريد أن تقنعنا أنك لم تتصل بنا لإتمام صفقة مادية ضخمة؟"
"إليانا.. ناوليني دفتر الشيكات لو سمحتي"
قالها بنيامين فهبت إليانا على الفور وأخرجت الدفتر والقلم من حقيبة بنيامين وناولته إياهما، فخط مبلغاً على الشيك وناوله لحسام:
"تفضل، هذا شيك بمليار دولار.. اكتب ما تشاء في خانة المستفيد"
تناول حسام الشيك ومزقه بنفس طريقة بنيامين وهو يقول:
"أحب أن أضيف إلى معلوماتك: أنا أكثر أهل الأرض زهداً في هذه الدنيا!"
"يحق لزائر من الجنة أن يمزق الدنيا ويلقي بأشلائها في الهواء"
علق إياد على حوار بنيامين وحسام معترضاً:
"أرجو أن تفهموا يا سادة أنني لست الشخص المادي بينكم، والدي ملياردير، والنقود لا تعني لي أكثر مما تعني لكم، ولكنه عشق التحدي والإنجاز! ثم مالذي تقصده بأفظع جرائم البشرية؟! وما الذي تريده منا بالضبط؟!"
تناول بنيامين من جيبه عملة معدنية ذهبيه وبدأ يعبث بها أمامهم وهو يقول:
"حسنٌ.. حان الوقت لنتناقش في مشروعنا الحقيقي!"
تأمل حسام وإياد تلك العملة الذهبية الغريبة التي حملت نقشاً لحمامة تحيط الكرة الأرضية بجناحيها من ناحية، ومن الناحية الأخرى نقش عليها 100GP .. وواصل بنيامين:
"نحن يا أصدقائي نعيش في وهم محبوك، مخطط شيطاني بدأ منذ ألف سنة، وانتشر بسرية إلى أن سيطر على العالم الذي نعيش فيه"
قاطعه إياد بنبرة لا تخلو من التهكم:
"أعتقد أنك من المهووسين بنظريات المؤامرة والماسونية والإلوموناتي و.."
تدخل حسام الذي بدا أكثر اهتماماً بما يقوله بنيامين:
"إياد.. أعتقد أن ما يقوله بنيامين يتجاوز النظريات التي تتحدث عنها"
واصل بنيامين كأنه لم يستمع لمداخلاتهما:
"سيد إياد، هل تستطيع أن تخبرني ماذا تعني المليارات التي يمتلكها والدك؟ هي مجرد أرقام في ذمة البنوك أليس كذلك؟ أنتم تثقون فيما تظهره البنوك من أرقام وأسعار لتبادل العملات، ماذا لو هبط سعر الدولار أو الـريال أو أي عملة جمعت بها ثروتك للنصف، أو العُشر، أو حتى الصفر.. ماذا سيبقى من تلك الثروة؟ لماذا أجمعت شعوب الأرض التي لم تتوقف يوماً عن الحروب على شئ واحد فقط: النظام المالي العالمي؟ من يملك هذا النظام؟ من يسيطر على جميع البنوك الدولية؟ من يستطيع أن يحول ثروة والدك إلى ديون بنقرة زر؟"
"فرسان الهيكل.."
قالها حسام وهو يتأمل النافذة، فأجابه إياد:
"حتى أنت يا حسام متأثر بنظريات المؤامرة؟ اسمع، لقد شاهدت وقرأت كم لا بأس به من الأفلام والكتب، وحفظت روايات دان براون عن ظهر قلب، لا أنكر أنها تتعرض لبعض الحقائق ولكنها تتكلف وتبالغ في الربط بينها بشكل يظهر الدنيا كلعبة بين يدي عصابة تسيطر على كل شئ"
واصل بنيامين:
"فعلاً، بدايتهم كانت كعصابة، عينتهم القوات الصليبية قبل ألف سنة كحراس لجبل صهيون ومنطقة هيكل سليمان، ولكنهم نبشوا الأرض واستخرجوا منها أهم كنوز الملك سليمان: الكتب! ولـما سيطر صلاح الدين على الأراضي المقدسة عادوا إلى أوروبا واستخدموا العلوم التي حصلوا عليها ليسيطروا على معظم مدخراتها المالية، وبالتالي التأثير على السلطتين الدينية والسياسية.. وأنشأوا وقتها النظام الـمالي الجديد الذي يستعيض عن القيمة الحقيقية للأموال بالكريديت.. "الثقة" التي تُمنح بتصرفهم هم وإرادتهم للأوراق والأرقام. معادلتهم بسيطة: سيطر على المال، تسيطر على كل شئ!"
عقب إياد على كلام بنيامين:
"ولكن فرسان المعبد تمت محاربتهم في أوروبا إلى أن اختفوا.."
"بعد محاولات الإبادة لهم في أوروبا انتقل من تبقى منهم إلى سكوتلاندا وأعادوا تنظيم صفوفهم وتعلموا من أخطائهم وسموا أنفسهم المعماريين الأحرار.. the Free Masons.. وانتشروا منها ليحكموا قبضتهم على بنوك الدنيا وحكوماتها ومؤسساتها التعليمية والإعلامية والدينية!"
رفع بنيامين العملة الذهبية التي كان يعبث بها طوال الوقت أمام عينيه وقال:
"واليوم يسيطرون على الأموال الحقيقية! تسعة أعشار الذهب على وجه الأرض تمتلكه المنظمات الماسونية، وهم على وشك تدمير العملات النقدية من خلال الأزمات الاقتصادية والحروب التي يهندسونها حتى يضطر العالم كله للخضوع لنظامهم الجديد وعملتهم: الجنيه العالمي: The Global Pound اسمحوا لي بتقديم النقود الحقيقية لكم"
قالها وألقى بعملة الـ 100GP إلى حسام الذي التقطها وهو يقول:
"وما دخلنا نحن في كل هذا؟!"
كان رد بنيامين مباغتاً ومفاجئاً للجميع، فقد انطلقت قبضته كالقذيفة نحو وجه حسام، ارتطمت بخده فارتد حسام للخلف بعنف وغاص في مقعده بينما اقترب بنيامين بوجهه من وجه حسام وقال وهو يتفحص الكدمة بقرب عينه:
"هيا يا حسام.. العين بالعين.. انتقم مني.. أرني قواك الخارقة"
ابتسم حسام وهو يتحسس الكدمة، وبنيامين لم يرفع عينه عنها وهو يراقبها بذهول وهي تتحول من اللون الأزرق للأحمر للوردي وتتلاشى بسرعة خارقة.. قال حسام بهدوء دون أن تفارقه الابتسامة:
"أي عين تقصد يا صديقي؟"
جاء الجواب من إياد هذه المرة، ولكن على شكل ركلة نصف دائرية استقرت على وجه بنيامين وألقت بنظارته المعتمة في الهواء قبل أن تلتقطها يد بنيامين بسرعه ومهارة؛ وعقب إياد بزهو:
"صدقت! العين بالعين، ولكن يجب أن تهزم التلميذ قبل أن تنازل الأستاذ! حسام علمني فنون القتال التي تعلمها من بروس لي شخصياً"
لحظة الزهو التي غمرت حسام تلاشت فجأة عندما لاحظ ما كانت تخفيه تلك النظارات المعتمة التي يرتديها بنيامين طوال الوقت، التفت بنيامين نحوه ببطء ووضع نظارته في مكانها، ولثانيتين ظهرت عينا بنيامين، في الواقع لم تكن عينين، فإحداهما كانت وبالرغم من شكلها الطبيعي تفتقر لبريق الحياة، عين اصطناعية أكريليكية تجميلية، أما الأخرى فقد كانت شيئاً آخر تماماً!
قلوب الأطفال تملك مناعة فطرية ضد التوتر. براءتهم تلهيهم عن ما يدور حولهم، وإن كانت قلوب من حولهم تتقافز من الانفعال؛ فجمانة وإلياسين كانا يلعبان بكل سعادة ومرح، في نفس الوقت الذي كادت فيه قلوب سوسن وحوجن وجمارى ومرام أن تتوقف! جمارى التي أحبت زوجها للدرجة التي جعلتها تكاد تضحي بحياتها وبفلذة كبدها من أجل الإنسية التي هوس بها، تراها الآن أمامها وجهاً لوجه، وبغض النظر عن العالم الذي تنتمي إليه، تظل الأنثى.. أنثى.. تلتهب غيرتها بلا سبب، وعندما تشتعل لا تنطفئ أبدا. ولكن جمارى خالفت القاعدة، شئ ما بداخلها اختلف عندما رأت سوسن، فتحولت نيران غيرتها إلى أنهار دموع، احتضنتها وانهارت بالبكاء، فشاركتها دموع سوسن ومرام. أما حوجن الذي كان أكثر الجميع قلقاً من تلك المواجهة وقف يراقب الموقف ويستمع إلى دموع جمارى وسوسن. نزلت جمارى على ركبتها أمام جمانة تأملت وجهها قبلت وجنتيها وعينيها وضمتها بقوة وكأنها ابنتها التي لم تنجبها. أما مرام فقد نست أنها تشاهد الجن بأم عينيها لأول مرة في حياتها، فحاولت أن تهدئ العواطف المضرمة:
"إش رأيكم نجلس وناخذ نفس، إنتو أكيد تعبانين من السفر"
نظرت إليها جمارى وحاولت أن تخفي بقايا دموعها بابتسامتها وهي تقول:
"إنتِ أخت حسام صح؟"
"إنتو تعرفوا حسام كمان؟"
أجابها حوجن بعد أن جلس الجميع:
"إياد وحسام أعز أصدقائي، إحنا بنتقابل مرة أو مرتين كل أسبوع"
قاطعته سوسن بصوت لم يتخلص من حزنه ولا من عتابه:
"حوجن كيف حالك؟"
توتر حوجن الذي تمنى أن لا تشهد جمارى هذه اللحظة، وأجابها بهدوء:
"الحمدلله زي ما إنت شايفه، كلنا في أعز نعمه.."
"كيف حال أمك؟ وكيف حال جدك؟"
"جدي توفى، وأمي توفت بعده بثلاثة سنين نفس السنة اللي توفى فيها والدك.. الله يرحمهم"
"عظم الله أجرك يا حوجن.."
"وأجرك.."
تدخلت جمارى التي بدأت غيرتها في الاستيقاظ:
"أنا وحوجن وإلياسين مالنا غير بعض من يوم ما مات جده وأمه وأخوي زعنام"
"زعنام؟"
تساءلت سوسن وذاكرتها تحاول استحضار ذلك الاسم الذي يبدو مألوفاً، واكتشفت جمارى بعد فوات الأوان أنها لم يكن ينبغي لها أن تذكر لها اسم زعنام الذي كان السبب في كل المصائب التي حلت بها وبأسرتها. أعادت سوسن الـسؤال لتؤكد أنها قد تذكرت زعنام جيداً:
"إنتِ أخت زعنام؟"
تدخل حوجن ليجيبها:
"زعنام كان مخدوع، وفقد حياته وهو يحاول ينقذ جمارى وابني إلياسين"
حاولت مرام مرة أخرى أن تلطف الأجواء:
"يعني طلعت جمعات حسام وإياد في الثلوثية والخميسية معاك يا حوجن؟ فين تروحوا؟ وإش تسووا"
التفت إليها حوجن وابتسم:
"من سبعة سنين وإحنا نتدرب"
"على إيه؟"
"نتدرب على إتقان التجسد والتلبس.. من جد اتعلمت من حسام وإياد أشياء كثير"
"أخوي حسام اتلمس من الجن؟"
"في حياتي ما شفت أحد هالته البنفسجية بقوة هالة حسام، الوحيد اللي قدرت أتلبسه وهو في كامل وعيه"
تساءلت سوسن وقد ذاب كل توترها وحزنها وعتابها:
"بس إنت قلت لي إنك ما تقدر تتجسد في عالمنا إلا لو.."
"إلا لو بعت نفسي للّعين وصرت مارد؟"
التفت نحو جمارى وتناول كفها بحنان بين يديه وهو يقول:
"البركة في جمارى، هي اللي علمتني أستخدم قدراتي"
احمرت وجنتا جمارى وأُشبع غرورها الأنثوي وهي تقول:
"أنا عرفت أتجسد وأنا صغيرة بسبب موقف حصل لي، وبعدها اتجسدت بأكثر من شكل، اتجسدت بشكل جمانة بنت خال إياد و.."
قاطعتها سوسن بشهقة:
"طلعتِ إنت جمانة؟! كان لازم أعرف!"
أجابها حوجن:
"جمارى كانت رح تموت أكثر من مرة عشانك يا سوسن، اتجسدت في شكلك عشان توقف الساحر اللي كان رح يضحك على أبوكِ الله يرحمه.. وكان على وشك يذبحها"
فرت الدمعة مرة أخرى من عيني سوسن التي أدركت للتو حجم التضحيات التي قدمتها تلك الجنية من أجلها:
"عشان كذا إياد كان مصر يسمي بنتنا على اسمك! ماني عارفه كيف أشكرك يا جمارى، من غيرك حياتي كانت بتضيع، ولا كنت اتزوجت إياد!"
اكتسى الخجل وجه جمارى الإنسي الملائكي وهي تقول:
"أشكري حوجن لا تشكريني أنا.."
وتهربت من خجلها وهي تواصل:
"أنا وحوجن عندنا قدرة التنقل بين عالمنا وعالمكم، لـكن قدراتنا تحتاج لتدريب وممارسة عشان نتقنها، الموضوع أصعب مما تتخيلوا، لكن مع التدريب يصير أسهل ونقدر نتقنه، بس بصراحة التواجد في عالمكم متعب جداً، كل شئ ثقيل، نحس بكتمه طول الوقت، وإلى الآن ما قدرنا نحافظ على تجسدنا إلا لفترات محدودة"
تأملت سوسن إلياسين الذي انهمك في اللعب مع جمانة وهي تقول:
"طب إلياسين ما يتعب وهو متجسد؟"
ردت عليها جمارى بابتسامة:
"إحنا اتجسدنا قبل ساعة تقريباً، نقدر نستحمل كمان ساعة أو ساعتين.. لـكن الغريب إنه إلياسين بالرغم من سنه يقدر يتجسد بسهولة، وما يتعب أبداً من التجسد"
عقب حوجن:
"إلياسين ورث كل صفات الفيحيين، أنا سكنت بعيد عن ممالك الشياطين عشان خايف عليه منهم!"
مرام التي بدأت بالفعل تتحمس وفي نفس الوقت تصاب بالرعب من فكرة تجسد الجن سألت بفضول:
"طب إحنا ما نقدر نروح عالمكم زي ما إنتو تجوا لعالمنا؟ ما حاولت تجربها مع حسام وإياد؟"
"حاولنا.. لكن التجربة كانت مرعبة جداً.. بالمناسبة فين إياد وحسام؟"
ردت سوسن بدورها:
"إياد وحسام جاتهم فرصة لتسويق فيلم سينمائي في هوليوود؛ سافروا عشان يحضروا اجتماع في نيويورك وراجعين بكرة"
أخرج حوجن الهاتف الذي أعطاه إياه إياد، وشغل التطبيق الذي حمّله هو وإياد وحسام في أجهزتهم والذي يعرف من خلاله كل منهم موقع الآخر بدقة، ظهرت على حوجن علامات التعجب وهو يراقب إحداثيات موقع إياد وحسام ويقول:
"معقول؟ رايحين أمريكا؟.. غريبة!"
كانت جمارى متوترة، ليس بسبب غيرتها من سوسن، وإنما بسبب حارس الأمن الذين كان يرمقهم من وقت لآخر ويتصل بهاتفه وملامحه لا تخفي عصبيته، غريزتها أخبرتها أن هناك خطر ما، نظرت بقلق ناحية جمانة وإلياسين حيث بدأت تعزف على الپيانو وهو يتعلم منها ويشاركها معزوفتها، التفتت جمارى نحو حوجن وهمست بقلق:
"حوجن، شوف هذاك الحارس، شوف هالته، شوف الموظفة اللي تتكلم معاه، أنا قلبي مو متطمن أبداً"
شاركتها سوسن غريزتها وقالت بقلق:
"جمارى إش فيه؟"
"الحارس كان بيراقبنا ويتصل بالتليفون، هو والبنت اللي معاه متوترين كأنه فيه مصيبه رح تحصل!"
اشتعل قلق سوسن، واشتعل معه قلق الجميع عندما أسرع ذلك الحارس وتلك الفتاة بمغادرة بوابة الفندق، فهتفت جمارى:
"شفتوا؟ قلت لكم فيه شي مو طبيعي!"
ما إن قالتها حتى اقتحم بوابة الفندق شاب بملامح عربية يرتدي سترة جلدية تبرز من خلفها نتوءات تفضح جسمه الملغم ويحمل في يده جهاز تحكم صغير بزر وحيد وصرخ قبل أن يضغط الزر:
"الله أكبر.. فزت ورب الكعبة!"
وضغط الزر..
ودوى الانفجار!

ثانيتان فضحتا ما كانت تخفيه نظارة بنيامين المعتمة، ثانيتان بترتا حماس حسام عندما رأى عين بنيامين التجميلية، والشئ الذي استقر في تجويف العين الأخرى. اكتظ ذلك التجويف بتركيبة معقدة جداً من المحركات والتروس الدقيقة اختبأت خلف قبة بلورية وحملت في وسطها عدسة مركزية، وعدستين أخرى جانبية. وضع بنيامين النظارة في مكانها ليخفي كل ذلك، وهب واقفاً وهو يقول:
"يبدو أن بديهة حسام أسرع من بديهتك يا إياد! لم أتعجب أنه لاحظ أنني أعمى منذ بداية لقائنا"
ارتبك إياد الذي ندم على ركلته التي أصاب بها شخصاً أعمى، ولكن بنيامين رفض ذلك الندم فانقض عليه وانهال عليه باللكمات وهو يقول:
"إياك أن تنظر إلي تلك النظرة المشفقة! لقد فقدت نظري، ولكن بصري أحد من بصرك بمراحل!"
كان يقول عباراته وإياد يحاول مواجهة لكماته التي نجحت بعضها في الغوص بين ضلوعه وتلوين فكيه.. تلك اللكمات أقنعت إياد بأن بنيامين خصم لا يُستهان به أبداً بالرغم من اعتماده على عين واحدة اصطناعية، فاتخذ وقفة قتالية والتهبت معركة كونغ فو احترافية بينهما راحت ضحيتها الشاشة التلفزيونية الكبيرة ومعظم الأكواب والصحون التي كانت على الطاولة، ولكن المتفوق فيها كان بنيامين. قاطع حسام تلك المعركة بعبارته الهادئة:
"إذاً لهذا السبب نحن متجهون لهيكل سليمان!"
أجابه بنيامين وهو يلتقط أنفاسه ويعدل قميصه:
"لم يكن عندي شك أنك ستكتشف ذلك من بداية الرحلة."
نظر إياد إلى النافذة بتوتر وهب فزعاً:
"ماذا ماذا؟ فعلاً نحن نتجه نحو خطوط الفجر.. نتجه للشرق!"
"نتجه لأورشليم.. اعتبروها بلادكم الثانية"
قالها بنيامين وهو يتجه نحو كابينة القيادة فهب قائد الطائرة ليفسح له المجال، أدخل بنيامين أمراً محدوداً لأنظمة الطائرة باستخدام شيفرته، أمر لا يستطيع أحد أن يلغيه: سقوط حر يبدأ بعد ستين ثانية. وواصل بهدوء:
"هنا تنتهي رحلتنا أيها السادة، ستسقط الطائرة سقوطاً حراً بعد ثلاثة وخمسين ثانية!"
فزعت إليانا وهبت على الفور نحو الكابينة التي تحمل المظلات وارتدت واحدة وتناول الطيار الأخرى وأخذ بنيامين المظلات الثلاث المتبقية فألقى بواحدة لإياد، وارتدى الأخرى بينما كانت إليانا تفتح بوابة الطائرة استعداداً للقفز:
"سيد حسام، سيد إياد، مرحباً بكم في اختباركم الأول، نحن ندخل حيز سواحل تل أبيب، المهمة أن تبقوا على قيد الحياة!"
قفزت إليانا وتبعها الطيار وتوقف بنيامين عند بوابة الطائرة وهو يمسك بالمظلة المتبقية ويقول:
"آه نسيت أن أخبركم، يجب أن تحافظوا على حياتكم بمظلة واحدة فقط!"
قالها، وألقى بتلك المظلة في الهواء.. وألقى بنفسه خلفها في نفس اللحظة التي بدأت فيها الطائرة سقوطها الـحر نحو اليابسة وعلى متنها إياد وحسام ومظلة واحدة فقط!


حاشية الحلقة الثاثلة:
سيارة بنتلي مولسان:
http://www.bentleymotors.com/models/mulsanne/
كريستيان ديور:
http://www.biography.com/people/christian-dior-9275315
إيڤ سان لوران:
http://www.biography.com/people/yves-saint-laurent-9469669
بنيامين فرانكلين
http://en.wikipedia.org/wiki/Benjamin_Franklin
البنك المركزي:
http://en.wikipedia.org/wiki/Central_bank
حراس الهيكل:
http://en.wikipedia.org/wiki/Knights_Templar
فيلم عن حراس هيكل سليمان (مع بعض التحفظات):
http://www.youtube.com/watch?v=zQxhoG8ay_4