Friday, November 9, 2012

الحلقة الأولى: وداعاً حسام.. وداعاً إياد..!

انطلقت طائرة Stealth Bomber فوق مياه البحر الأحمر تزفها طائرتا F-35 Lightning التي لم تمتلكها سوى دويلة واحدة في الشرق الأوسط عبر صفقة حصرية تمت مع الولايات المتحدة الأمريكية عام ٢٠١٦م التزمت فيه أمريكا بعدم بيع تلك الطائرة لأي دولة شرق أوسطية أخرى لمدة عشر سنوات، ولم تلتزم تلك الدويلة بشرط الصفقة الأهم في عدم إجراء أي تعديلات على الطائرة.
انطلق الأسطول الصغير، لم تقتصر قيمته على سعر الطائرات الذي يتجاوز ثلاثة مليارات دولار، فقد كان يحمل ما هو أهم وأثمن بكثير، كان يحمل شخصين.. حسام، وإياد!
طائرة الـ Stealth Bomber التي تحمل في العادة أطنان المتفجرات والرؤوس النووية اكتفت هذه المرة بكبسولتين معدنيتين تنتهي من الأسفل بمحرك نفاث محدود، ومن الأعلى بقبة زجاجية، اكتظت بالأجهزة والمجسات التي اتصلت بجسدي حسام وإياد، كان الاثنان في حالة يرثى لها، وأعني الرثاء هنا حرفياً، فحسام كان غارقاً في دمائه، يلتقط أنفاسه بصعوبة وحِرص خوفاً من نفاد الأكسجين والاختناق في تلك الكبسولة الضيقة. أما إياد فقد كان غائباً عن وعيه، وقد حمل جسده كماً لا بأس به من الكسور والحروق.. كان باختصار في حالة نزاع!
"صباح الخير سيد حسام وسيد إياد"
انطلقت تلك العبارات في السماعات المثبتة في الكبسولتين بتلك اللغة الشرق أوسطية الغير عربية، فانتفض جسد حسام وهو يصغي باهتمام حيث واصل صاحب الصوت بهدوء مستفز:
"هذه هي المرحلة الأخيرة من تجاربنا، ستنتطلق الكبسولات بعد ثلاثين ثانية نحو أعماق البحر، كمية الأكسجين تكفي لمدة ١٢٠ ثانية، فرصة بقاء حسام على قيد الحياة ٣٢،٤٪ وفرصة بقاء إياد على قيد الحياة ٧،٣٪ فرصة نجاتكما معاً ٢،٤٪"
في هذه اللحظة لم يأبه حسام بالأكسجين الشحيح في الكبسولة التي سجنوه فيها وصرخ بنفس تلك اللغة الغريبة:
"بنيامين!! توقف!!"
واصل بنيامين بنفس الهدوء والنبرة الآلية:
"كنت أتمنى فعلاً أن نجد الكتاب سوية، تشرفت بالعمل معكما، تأكدا أن حياتكما لم تذهب عبثاً.. وداعاً"
صرخ حسام صرخة أخيرة يائسة:
"بنيامييييييين!!"
لم تهتز خلية في كيانه وهو يجلس بجسده النحيل بجوار قائد الـ Stealth Bomber يراقب الشاشات الملتفة حوله دون أن يأبه بتثبيت أحزمة الأمان ولا الخوذة الواقية ولا قناع الأوكسجين، فقط اكتفى بالسماعة المثبتة على إحدى أذنيه والتي تنتهي بمايكروفون دقيق، بالإضافة إلى نظارته الداكنة التي لا يكاد ينزعها عن وجهه والتي تصدر صوت أزيز خافت كلما حرك رأسه، وقميصه الأسود الذي شمر أكمامه بإهمال. كانت الشاشات تنقل تفاصيل المؤشرات الحيوية لحسام وإياد، بالإضافة إلى ما تصوره الـكاميرات عالية الدقة المثبتة داخل وخارج كبسولتيهما. وعلى إحدى تلك الشاشات ظهرت فتاة عشيرينية ملامحها تنم على أن حامضها الـنووي في صراع ما بين الجينات القوقازية والإفريقية، بشرتها تمردت على سمرتها، فلم تحتفظ إلا بالقليل منها، شتفاها مكتنزتان، عيناها واسعتان بنفس لون شعرها الكستنائي الثائر، ترتدي زياً عسكرياً متكاملاً لا يتناسب أبداً مع أنوثتها ولا مع سنها؛ وعلى عكس بنيامين كانت إليانا في قمة التوتر وهي تقول:
"في انتظار أوامرك سيد بنيامين.."
"المهمة انتهت.. سنطلق الكبسولات!"
تحجرت دموعها.. كأنها تستجدي بنيامين لكي يغير قراره؛ ولكن بنيامين حسم كل شئ وهو يقول بلهجة آمرة أكثر صرامة:
"أطلقيها الآن!"
"حالاً.. سيد بنيامين"
التفتت إليانا نحو لوحة التحكم المركزية، وأصدرت أمر الإطلاق عن بعد فانفتحت البوابة الخلفية للطائرة، وتوهجت المحركات المثبتة في الكبسولات قليلاً قبل أن تنطلق مندفعة نحو أعماق البحر الأحمر حاملة معها حسام وإياد. في هذه اللحظة فقط أزاح بنيامين وجهه عن الشاشات، ورفع نظارته الداكنة ليمسح دمعة وحيدة قبل أن تفر من عينه.


كانت هذه النهاية المأساوية لسلسة من الأحداث توالت بسرعة في أيام قليلة، عشت أحداثها بنفسي، لحظة بلحظة، بالرغم من أنني لم أكن بطلة من أبطالها، فقط راقبتهم من هنا.. وقلبي يتفطر معهم هناك! ليس المهم أن تعرفوا من أكون، ما يهمني الآن هو أن آخذكم إلى بداياتها عندما التقى حسام وإياد لأول مرة قبل خمس سنوات.. لم تجمعهم الصدفة، بل جمعهم القدر المدروس بكل دقة! كل منهم تعرض لتجربة استثنائية جعلت منه شخصاً آخر، فحسام الذي نجا من حادث مميت بمعجزة حقيقية حيرت جميع العلماء والأطباء انقلب كيانه رأساً على عقب، تلاشت الحواجز بين عقله الواعي وعقله الباطن فأحكم سيطرته على كليهما، حتى خلايا جسمه استجابت لذلك التغيير وخضعت لعقله الباطن، فتضاعف نشاطه الحيوي، وتجاوز معدل نمو خلاياه وتجددها جميع المقاييس البشرية. الدقائق المعدودة التي توقف فيها تنفسه وتوقف قلبه عن النبض وانقطع فيها الأكسجين عن دماغه أخذته إلى عالم آخر.. إلى هناك.. حيث التقى بـ.. التقى بها، بملاك! ملاك حوريته التي كانت تراقبه طوال حياته وتنتظره بفارغ الصبر، أعدت عالـماً خاصاً لاستقباله، عالم بين عالمنا وعالمها، جمعت فيه كل ما كان يتمناه حسام في الدنيا، فقط لتقنع روحه بالبقاء معها وعدم مغادرتها للعودة إلى الجسد الدنيوي، تعلم حسام في ذلك العالم الفن والإبداع من ليوناردو داڤينشي، والموسيقى من لودڤيغ بيتهوڤين، وفنون القتال من بروس لي، وخاض معركة شرسة مع الجوكر أثناء تقمصه لدور باتمان، وحارب وحوش ڤيغا وهو يقود غريندايزر مع كوجي وهيكارو.. كل ذلك حصل في تلك الدقائق التي فارقت روحه فيها جسده فامتدت لعدة أيام عاشها بجوار فاتنته ملاك.. ولكن هناك من حاول وبكل إصرار أن يعيده لعالمه، أن يقتله هناك لتضطر روحه للعودة إلى الدنيا، كان ذلك والده الذي توفى منذ عدة سنوات بالسرطان ووالدته التي توفيت في نفس الـحادث المميت الذي نجا منه، كانا مصرّين أن يعود حسام للدنيا، بالرغم من احتمال إصابته بإعاقات مستديمة ودخوله في غيبوبة كاملة جراء الحادث، ولكن أملهما كان أكبر، كانت قلوبهم تتفطر حزناً على حسام، وقلقاً على أخته الصغرى مرام التي لم يبق لها في الدنيا أحد غيره. ونجحا في ذلك، بالرغم من مثالية العالم الذي صممته ملاك لحسام، قرر في النهاية أن يضحي بكل شئ وأن يموت هناك، ويعود إلى هنا.. إلى عالمنا، ليحقق رغبة والديه ويحمي أخته الصغرى من براثن الدنيا. ولكن قلبه ظل معلقاً هناك.. بملاك.. أصبح يشتاق إلى الموت فقط ليعود إلى أحضانها.
أما إياد فكانت تجربته لا تقل غرابة عن تجربة حسام بالرغم من أنها تختلف تماماً عنها، لم يكن إياد يتخيل أن ميوله نحو زميلته سوسن قد يتحول إلى معركة دامية لإنقاذ حياتها من السحرة والمشعوذين، ومن السرطان الذي كاد أن يلتهم دماغها، معركة كاد أن يفقد فيها حياته عدة مرات، ليس هو فحسب، بل شاركه في تلك التضحيات حوجن.. الجني الشاب الذي لم يتجاوز المئة عام. الجني الذي اكتشف أن والده ميحال كان زعيماً لأعتى مردة الجن الذين يسكنون جنوب البحر الأحمر ويسيطرون على ممالك الشياطين المجاورة لهم، لكنه ترك الزعامة والملك عندما تعلق قلبه بابنة الشيخ إلياسين من سلالة النفريين الذين استمعوا للقرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم، وقرر بعدها أن يبتعد بزوجته وابنه الوحيد حوجن عن عوالم الـمردة، والسكنى بالقرب من تلك المدينة الإنسية في منتصف البحر الأحمر.. مدينة جدة. احتك حوجن بالإنس لأول مرة عندما سكنت عائلة سوسن في نفس البقعة التي عاش فيها مع والدته وجده، وتعلق قلبه بها، ولـكن السحرة ومردة الشياطين نصبوا شباكهم حول والد سوسن واستغلوا إصابتها بالسرطان ليوهموه أن كل ذلك بفعل الجن وأن خلاصها بالتضحية بأمواله.. وإيمانه بالذبح لملك الجن. خاض حوجن وإياد تلك المعركة الدامية، شاركتهم جمارى ابنة عم حوجن، وزوجته، والوحيدة التي ورثت معه قدرات الجن الفيحيين في التنقل بين أبعاد الإنس والـجن، تلك القدرات التي من أجلها ساوم الملك هياف ملك الـمردة والشياطين حوجن على أن يحتفظ بابنه إلياسين في مقابل أن يصرف المردة عن سوسن وعائلتها، ولكن حوجن استطاع في النهاية أن ينقذ ابنه إلياسين، ويقضي على الملك المستبد هياف ويعيد المُلك لعائلة الفيحيين، وقرر بعدها أن يختفي من حياة سوسن وأوهمها بالتعاون مع إياد أن وجوده في حياتها لم يكن سوى وهماً اختلقه عقلها نتيجة انفصام في الشخصية بالإضافة إلى آثار الـمرض والعملية الجراحية المعقدة التي أجريت لها لإزالة السرطان. ابتعد حوجن بزوجته وابنه ووالدته إلى مدينة الهندبة في شمال البحر الأحمر، وانقطعت علاقته بعالم الإنس سوى عن طريق الاتصالات بينه وبين إياد.
سمع إياد بحالة حسام التي انتشر صداها بين الأطباء كمعجزة تحدت جميع المسلمات الطبية، فبعد أن كاد الأطباء يجزمون أن التلف الذي لـحق بدماغه وجسمه لن يتركه إلا بين أحد خيارين: الشلل التام، أو الـوفاة.. وجدوه يتحول إلى شخص جديد.. خارق! طفرته الجسمانية المفاجئة بعد الحادث أغرت الأطباء والباحثين لدراسة حالته، ومن ضمنهم إياد الذي استخدم علاقات والده للانتقال لمستشفى الملك فهد والانضمام للفريق الذي يشرف على حسام.. ليس ذلك فحسب بل وأصبح الصديق المقرب لحسام الذي رفض أن يتحول لفأر تجارب للأوساط الطبية فغادر المستشفى قبل أن يستكمل علاجه وبدأ حياة جديدة حقق فيها كل ما كان يتمناه لنفسه ولأخته مرام، ولم تتبقى له سوى أمنية واحدة.. أن يتوفى.. ليعود إلى ملاك.


القدر الذي جمع حسام وإياد كان يعد لهما مفاجأة أكبر بكثير من جميع المغامرات التي مرت بهما.. بدأت فصولها في فجر ذلك اليوم من شتاء العام ٢٠١٨م حيث كان حسام يمارس عادته اليومية بتأمل البحر في أولى ساعات النهار. جلس في سيارته الرياضية التي بالكاد تتسع لشخصين، أرخى كرسيه للخلف وأرخى قبعته التي يحرص على ارتدائها دائماً ليخفي آثار الحادث في جبهته وفوق عينه اليمنى، وظل يراقب المياه ويستمع لإحدى أغاني فيروز تنساب من جهاز الآيفون ٨ المتصل لاسلكياً بسماعات سيارته ممزوجة بألـحان الـموج ونسمات الصباح. انخفض صوت فيروز بالتدريج وهمست بدلاً عنها سيري:
"صباح الخير يا حسام.. المعذرة على الإزعاج"
"مكالمة من إياد صح؟ ردي عليه"
تلاشى صوت فيروز وحل محله صوت إياد المتحمس مبدداً هدوء تلك اللحظة:
"نفسي مرة وحدة في حياتي أتصل ألاقيك نايم! يا ابني نام يا ابني.. نام حرام عليك!!"
ابتسم حسام دون أن يرفع عينه لإياد الذي ظهر في شاشة الآيفون في مكتبه الذي لا ينتمي لعصرنا بأثاثه الجلدي الأبيض المطعم بلمسات من الكروم.. ورد عليه بتثاقل:
"كنت على وشك آخذ غفوة قبل لا حضرتك تطلع لي!"
"تاخذ غفوة نص ساعة وتقعد عليها يومين من غير نوم! كعادتك! المهم.. تحدد موعد المعرض، جهز نفسك رحلتنا لباريس الأسبوع الجاي، رح أرسل لك رقم تذاكرك إنت ومرام!"
اعتدل حسام في جلسته وهو يقول:
"معناها مافي وقت للنوم! لازم أستعد للمعرض!"
"تستعد لإيش؟ لوحاتك كلها انشحنت!"
"باقي أهم لوحة.."
"نفسي أفهم كيف تقدر ترسم تحفة فنية في ثلاث ساعات، وهذي اللوحة بالذات جالس ترسم فيها خمس سنين!"
"تقريباً خلصت.. بكرة نرسلها للشحن"
قالـها حسام وهو ينهي المكالـمة وينطلق عائداً إلى بيته.. ڤيلته التي يسكنها مع أخته مرام في أقصى شمال جدة الجديدة. فتح الباب بكل هدوء كي لا تستيقظ مرام في تلك الساعة المبكرة، واتجه مباشرة نحو صومعته، غرفة دائرية جدرانها زجاجية في الملحق العلوي للڤيلا، اختزل بداخلها عالمه الجديد، سريره في طرف الغرفه تحول إلى حاوية للكتب، فهو لا يكاد ينام عليه، تناثرت الكتب في كافة أرجاء الغرفة، لا يمت كتاب منها للآخر بصلة، لا من ناحية المواضيع ولا حتى اللغات. وانتشرت مجموعة من أدوات التمارين الرياضية ووحدة طبية مصغرة بجوار السرير تحوي جهازاً لقياس ضغط الدم وتخطيط القلب، وفي الجهة الأخرى التهم الپيانو الأبيض جزءاً لا بأس به من مساحة الغرفة مع باقي الأدوات الموسيقية، وفي منتصفها تماماً كان هناك كرسي الليزي بوي الجلدي الوثير الذي كان يقضي عليه حسام معظم أوقاته بما فيها الغفوات القصيرة التي تغنيه عن ساعات النوم. استقرت شاشة سامسونج التفاعلية التي يتجاوز قطرها ستين إنشاً أمام الكرسي مباشرة يتحكم بها كما يتحكم بمعظم الأجهزة في منزلة بواسطة التطبيقات على آيفونه عبر شبكة الإنترنت هائلة الـسرعة. ولا ننسى ثلاجته الصغيرة عن يمين الكرسي والتي لا تخلو أبداً من عصيراته وشوكولاتاته المفضلة. كانت صومعة حسام النموذج الدنيوي من الجناح الذي صنعته له ملاك.. هناك.
توجه حسام مباشرة نحو اللوحة الزيتية في طرف الغرفة، طولها متر ونصف، وعرضها متر، كانت مستندة على الحائط الزجاجي، ومغطاة بغلاف بلاستيكي رقيق يحمي ألوانها التي لم تنشف من التصاق الغبار عليها. أزاح الغلاف عنها برفق.. فأشرقت ابتسامتها..
ابتسامة مخلوقة لا تنتمي أبداً لهذا العالم! ابتسامة ملاك..
نفس اللوحة التي رسمها لملاك عندما كان معها هناك، ابتسامتها وهي تضع رأسها على صدره وتنهال على عينيه بعينيها، ودمعتها الوحيدة تكاد تغرقه وتغرق كل من يرى تلك اللوحة. دمعة اختزلت بحور الحب والحزن والحنين والفراق والأمل.
تجاهل حسام الفُرش كعادته وغاص بأصابعه المجردة في الألوان وبدأ يضيف المزيد من اللمسات.. فقط على عينيها، عام كامل وهو يرسم تفاصيل عينيها، تلك اللوحة لم تخضع لمقاييس الفن، كانت أشبه بصورة فوتوغرافية لا متناهية الدقة، تفضحها ابتسامة ملاك التي لن يصدق أحدٌ أنها من البشر.
انتبه حسام لدخول مرام رغم أنها حاولت أن لا تصدر أي صوت يشتت تركيزه، وقال لها دون أن يلتفت:
"برضو غلّبتي نفسك وعملتي لي پان كيك!"
"ماشاء الله عليك كيف سمعت صوتي وأنا باتسحب؟ كيف شميت ريحة الپان كيك وأنا لسا في طرف الغرفة؟!"
"لسا ما اتعودتي على قدرات أخوكي كولومبوس؟"
"من جد ماشاء الله عليك، ربي يحفظك لي يا سوبرماني"
كانت مرام تحمل طبقاً تراصت عليه أقراص الپانكيك الساخنة التي انسابت عليها الشيرة الذهبية وباليد الأخرى كوباً عملاقاً من الحليب البارد تحمله بصعوبة، وضعتهما على الطاولة الصغيرة بجوار حسام وغاصت بالشوكة في طبقات الپانكيك فتصاعد المزيد من بخارها ومدت اللقمة إلى فم حسام وهي تقول:
"يللا يا بطل افتح فمك.."
همّ حسام بتناول الشوكة بيده الملطخة بالألوان ولكن مرام أبعدتها عنه معترضة:
"ممنوع! أنا اللي رح ألقمك! إنت ركز في شغلك وبس!"
"يا مرام بتعامليني كأنه عمري خمس سنين!"
"إنت فعلاً انولدت من جديد قبل خمس سنين.. إش فيها لو دلعتك شويه؟ قبل لا تجي وحده تاخذك مني وتدلعك بدالي"
"تاني بتفتحي هذي السيرة؟ قلت لك أنا مستحيل أفكر في الزواج!"
"طب ليه يا حسام؟ فهمني ليه؟! ما تبغاني أفرح بأولادك وأصير عمّه؟"
"يا مرام إنت عارفة إنه وضعي الصحي ماهو طبيعي، كيف تبغيني أرتبط بإنسانة وأخلف أطفال وأنا ماني عارف إش ممكن يحصل لي؟"
استسلم حسام للقمات مرام المتتالية وهي تجيبه بصرامة كوالدته، لا كأخته الصغيرة:
"إذا كان ربنا نجّاك من الحادث والغيبوبة أكيد إن شاء الله رح يشفيك من شوية سخونة وضغط! بس أنا عارفه إنه بالك لسا مشغول بيها"
قالتها وهي تشير بعينيها إلى اللوحة.. وواصلت:
"كل ما أدخل الغرفة أسمعك تكلم اللوحة وكأنها تسمعك!"
ارتبك حسام وهو يناورها:
"أنا مستحيل أفكر في أي شي قبل لا أتطمن عليكِ وأشوفك عروسة!"
"وأنا مستحيل أفكر في أي شي دحين! يا حسام إنت رجعت من الجنة عشاني.. مستكثر علي أدلعك شوية؟!"
انتصرت مرام كعادتها، فرضخ حسام للقماتها وواصل لمساته النهائية على عيون ملاك.


تجاوزت الساعة العاشرة ليلاً عندما وصل إياد لبيته عائداً من مكتبه، متابعة أعمال والده بالإضافة إلى متابعة عيادته ومرضاه تلتهم يومه بالكامل، من ساعات النهار الأولى وحتى منتصف الليل أحياناً. ابنته جمانة التي كانت تقاوم النوم بصعوبة لتستمتع بحضن أبيها قفزت فورما سمعت صوت باب البيت فألقى حقيبته وتلقفها في حضنه وهي تجري نحوه وتقول بدلال:
"بابا.. هات أذنك.. لازم أعضها!"
"ليه بس يا جمانه؟"
أجابته في صرامة وهي تشير بسبابتها الصغيرة أمام وجهه:
"عشان أنا قلت لك تبطّل تتأخر في الشغل.. واللي ما يسمع كلام بنته.. لازم بنته تعضه! مفهوم؟!"
"طب لو قلت لك إنه عندي لك مفاجأة تسامحيني؟"
شاركتهم سوسن اللحظة الودودة واقتربت وهي تقول:
"بابا تعبان يا جمانة، يللا بوسيه وأطلعي نامي.. إياد حبيبي أجهز لك الأكل؟"
تجاهلتها جمانة وهي تقفز من الحماس والفرح وتقول:
"إيش هي المفاجأة يا بابا؟ إيش هي المفاجأة؟"
"رايحين باريس! وحيجي معانا عمّو حسام وأبلا مرام"
أنستها الفرحة حضن أبيها وانطلقت تتراقص نحو غرفتها وهي تهتف:
"رايحين باريييييس!! وحنروح يورو ديزنييييي.. ييييييه!! حاروح أقول لإلياسين عشان يجي معانا!!!"
نظرت سوسن إلى عيني إياد مباشرة وهي تقول:
"إياد.. متى رح تقول لي على كل شي؟"
أجابها إياد متصنعاً:
"ماني فاهم.. أقول لك على إيش؟"
"إياد أنا فتحت كمبوتري القديم اليوم، ولقيت في الآوتلوك كل الإيميلات اللي كانها يرسلها برنامج النوتس في آيبادي لـما أكتب أي ملف.. لقيت كل الحوارات اللي كانت بيني وبين حوجن وقريتها.."
"سوسن.. سوسن أرجوكي ماله داعي نفتح هذا الموضوع مره تانيه.."
"إياد أنا ماني مجنونة، الحوارات هذي فيها معلومات مفصلة عن عالم الجن والأبعاد الموازية يستحيل أكون أنا ألفتها بسبب انفصام في الشخصية! بعض المعلومات اكتشوفها فعلاً بعد سنين من حكايتي مع حوجن! مستحيل يكون هذا كله شيزوفرينيا!"
"سوسن، اللي جرى لك مو شي بسيط، وكلنا عارفين إنه أسرار العقل البشري لسا محد اكتشفها.. نسيتي كلام الدكتور عماد زكي؟"
تصاعد توترها وقاطعته قائلة:
"تاني بتقول لي الدكتور عماد زكي؟ اليوم لقيت رقمه مسجل تحت اسمك في الكونتاكتس في كمبيوتري القديم Dr. EZ! تقدر تفهمني إش معناها؟ دكتور عماد زكي وللا دكتور إياد الزايدي؟! طب تقدر تفهمني إيش حكاية إلياسين هذا اللي جننتنا جمانه بيه؟"
"تعرفي يا سوسن إنه كثير أطفال عندهم إماجيناري فريند و.."
قاطعته مرة أخرى وقد اشتد انفعالها:
"جمانه عندها إماجيناري فريند، وأنا عندي إماجيناري جني، وإنت عندك إماجنري بنت خال اسمها جمانه.. إش بقي في حياتنا ماهو إماجيناري؟!"
أشاحت بوجهها لتخفي الدمعة التي انسابت من عينها وهي تقول:
"حاسة إني عايشه حلم، كذبة كبيرة.. كل شي حولي وهم.. حرام عليك يا إياد أنا من جد تعبانه!"
مسح دمعتها، أمسكها من خصرها ونظر إلى عينيها مباشرة وهو يقول:
"صدقيني يا سوسن أنا ما همي في الدنيا غير راحتك وسعادتك إنت وجمانه. خلاص.. أوعدك إني أقول لك على كل شي وأريحك أول ما نرجع من باريس.. بس أهم شي تلحقيني بلقمه قبل لا أنهار قدامك"
نجحت كلمات إياد في رسم الابتسامة فوق بقايا دموع سوسن.. ولكنها أشعلت بداخله كل الحزن والقلق.



انطلق في صالات مطار الملك عبدالعزيز الجديد بجده الإعلان النهائي والأخير لرحلة الخطوط السعودية رقم ١٢٧ والمنطلقة من جدة إلى باريس فازداد توتر إياد الذي أنهى للتو شحن الأمتعة فجر حقيبته بيد وحمل جمانه باليد الأخرى وتبعته سوسن وهو يسرع الخطا والتقى بحسام الذي خرج من ردهة رجال الأعمال، تخلصت جمانه من ذراع أبيها وقفزت نحو مرام وهي تهتف بسعادة:

"أبلا مرام.. أبلا مرااام!!"

حملت مرام جمانه وأسرع الجميع نحو بوابة صعود الطائرة واضطر إياد وسوسن لتبديل مقاعدهم مع حسام ومرام لأن جمانة أصرت على الجلوس بجوار مرام التي تلاعبها دائماً وكأنها طفلة في سنها..
أطفئت الإضاءة الداخلية في الطائرة، وتحولت مقاعد الدرجة الأولى إلى أسرّة واستسلم معظم ركابها للنوم ماعدا حسام الذي أرخى مقعده قليلاً والتفت إلى النافذة محاولاً توديع أضواء مدينة جدة التي بدأت غفوتها مع خيوط الفجر، وكان بداخله شعور يعتصر كيانه.. شعور أن هذه آخر مرة تراها عيناه..
شعور أن رحلتهم التي بدأت للتو ستكون رحلة ذهاب.. بلا عودة!

38 comments:

  1. ياااخي ايش اقول بس ، حأقراها مرة تانية اليوم من الابداع ..

    وان شاء الله تبهرنا كعادتك .

    وموفق في نشر كتاب رواية حوجن

    ReplyDelete
  2. رائعه جداااااااااااااا..

    دائما تبهرنا بما تسرده..موفق..

    انتظر حوجن بفارغ الصبر..

    ReplyDelete
    Replies
    1. تسلمي يا سوما، من لطفك والله :)

      Delete
  3. عنوان الحلقة لحالو ابدااااااع ماشااء الله
    الوصف يعيش الجو كالعاده من جد راائع
    حسااام معجزه من جد الله يحميه بس ليش تعبان
    سوسن يااالله مره تزعل حبو خلي اياد يقولها
    بس باقي حوجن ويكون تمااام
    احلى شي في قصصك انه نتفاجا دائما بالاحداث عكس التوقعات تماما
    اقولك واقول لابطالنا مرحبا بكم من جديد وحشتونا
    تسلم يدك وعقلك وخيالك
    بإنتظار الجزء القادم

    ReplyDelete
    Replies
    1. مره شكراً يا دعاء، واستجابة لرغبتك حتلاقي حوجن وجمارى وإلياسين كمان رجعوا :)

      Delete
  4. Mashallah, creative as usual and maybe more ..
    I really loved how all the stories came to be together, looking forward to see what's coming
    Wish you all luck !!

    ReplyDelete
    Replies
    1. Thanks a lot Mai :) I really wish you enjoy it to the last word :)

      Delete
  5. كالعادة العادة نجحت وبكل احتراف على أخذنا إلى عالم آخر... ما كنت متخيلة كيف ممكن يستمر اجتماع أياد وحسام ولكن أكيد ابداعك يفوق مستوى الخيال ... والآن نبدأ رحلة الإدمان على انتظار الحلقة المقبلة

    ReplyDelete
    Replies
    1. تسلمي، هذا كله من ذوقك والله :) دوبي نزلت الحلقة الجديدة يارب تعجبك :)

      Delete
  6. ومازلت مبدع في أخذنا معاك في عالم خيالك الواااااسع جددا والاجمل على الاطلاق ... الحلقة حماسية والحلو كمان انها بتربط بين الروايتين اللي قبل ..مافي كلام يوفيك حقك بالشكر سوى انك كاتب مبدع وملهم .. كل التوفيق لك ..أبغى أسأل هي كم حلقه وكل كم حتنزل الحقلات ؟؟

    ReplyDelete
    Replies
    1. مره شكراً على لطفك يا أمل، الحقيقة محتار في عدد حلقات بنيامين، التركيبة اللي في دماغي تحتاج ١٥-٢٠ حلقة بنفس هذا الطول، بس أفكر أختصرها ل ١٠-١٢ حلقة. إن شاء الله رح ألتزم بتنزيلها كل ٣ أسابيع، دعواتك :)

      Delete
  7. كانو طولت علينا بزيادة المرة دي... ترا متعب الانتظار وخصوصاً عند انتظار إبداعات الكاتب إبراهيم عباس.... فهل من حلقة عن قريب؟!؟

    ReplyDelete
    Replies
    1. لوووول دوبها نزلت، والآن لازم ألتزم بمواعيد الحلقات كل ٣ أسابيع إن شاء الله :)

      Delete
  8. انا أسف أستاذي وأخوي إبراهيم على أني ماقدرت الاقي وقت لتذوق رائعتك الا الان سامحني فقد فاتتني الفصول الاخيره في رواية هناك ونادم أشد الندم وماراح اكرر الغلطه مع رائعتك بنيامين

    ReplyDelete
  9. اهنيك مبدع بكل مافي الكلمه من معاني

    ReplyDelete
  10. من جد ابدعت .. مرره مبسوطه انو تكمله للروايه ..

    ReplyDelete
  11. ابداااااااااااااااااااااااع

    ReplyDelete
  12. بصراحه مدري ايش اقول تصدق اني في البداية كانت عندي فكره غلط عنك بعد نزول حوجن لانو كثير قالوا الرواية موكويسه و اذا قراتيه الجن مارح يخلونك ومن هذا الكلام بس خفت اظلمك فقلت اشتري حوجن واشوف وتخيل في اول يوم كنت رح اقرا حوجن الوكيلة الي في مدرستنا هزاتني وقلتلي رح تدخلي باب الشرك ومن هذا الكلام وكلام يخوف بس بعد ماقرات البداية ماقدرت اوقف عنها واكتشفت قد ايش كتاباتك عظيمه ورائعه وقرات هناك واسمتعت فيها ورحت عالم ثاني مع حسام والان انا من اشد معجبيك وانتظر بنيامين تنزل من جد انت غيرت اشياء كثير في حياتي بكتاباتك مررررررررررره شكرا الله يوفقك ويخليك لي اهلك

    ReplyDelete
  13. حتى ممكن كلماتي ماتوفيك حقك

    ReplyDelete
  14. الانسان الوحيد اللي يخلي الامل يرجع فيني شكرا من كل قلب على كل كلمه تكتبها وغيرت منظوري للحياه :'(

    ReplyDelete
  15. الانسان الوحيد اللي يخلي الامل يرجع فيني شكرا من كل قلب على كل كلمه تكتبها وغيرت منظوري للحياه :'(

    ReplyDelete
  16. أ. ابراهيم عباس .. عند قراءتي لما تكتبُه أخرج عن الحياة وأنغمس في تفاصيل ما كتبته أناملك المبدعة وأكثر , شكراً جزيلاً , موفق دائماً وأبداً, كلّ الإحترام لك , مرام أحمد آل عبدالقادر.

    ReplyDelete
  17. حبيت الرواية بجد انت مبدع
    ♥♥

    ReplyDelete
  18. بصراحة انا من اشد معجبينك
    لان لقيت فرواياتك كل ما هو مفيد فلم تكن عبارة عن قصص ليس لها مغزى بلعكس تعلمت كل شيء وغيرت وايد اشياء فحياتى فحابة اشكرك على هالشيء
    واتمني انك ما توقف مهما انتقدوك التاس لانك بصدق مبدع وتذكر شو قال ليوناردو : لن ينتهي الابداع الا عندما يموت صاحبة >> طبعا هذي صيغتي انا هههه
    المهم اتمنى لك كل التوفيق
    من معجبتك M.A

    ReplyDelete
  19. بعد عندي سؤال بعد اذنك :
    متى بتنزل بنيامين واذا نزلت هل موجودة في الامارات
    وشكرا

    ReplyDelete
  20. تحمست اشوف التكمله بجد انت كاتب رائع جدا جدا جدا امتا البقية 😍

    ReplyDelete
  21. ي خي علي الحرام والطلاق انك كفو وشسمه ياليت نشوفها ككتاب تنباع في المكاتب لأنها قسسم ابداع
    واصل يالذيب

    ReplyDelete
  22. فعلااا مببدع 😍 .. ننتظر باقي ابداعااتك .. الله يوفقك .. واااصل

    ReplyDelete
  23. يااااا ربييييي من جدك انت بتنشر اشياء مثل كذا والله انت مببببببدع مررررة ابهرنا واحنا بنتابعك وموفق ان شاء الله بكل كتاباتك

    ReplyDelete
  24. يااااا ربييييي من جدك انت بتنشر اشياء مثل كذا والله انت مببببببدع مررررة ابهرنا واحنا بنتابعك وموفق ان شاء الله بكل كتاباتك

    ReplyDelete
  25. ياربااااااااه بتاسرني بسطورك ... مابغا اوقف قراية نهااائيا... بالتوفيييق يامبدع

    ReplyDelete
  26. ياربااااااااه بتاسرني بسطورك ... مابغا اوقف قراية نهااائيا... بالتوفيييق يامبدع

    ReplyDelete
  27. فضييعه وربي تحممست اكمملهااربيي يووفقك ي كاتبنا الغالي عسى نشووف اعمالك بتصووير سنمائي ❤️❤️❤️❤️

    ReplyDelete
  28. في انتظار التكمله .. شكراً بحجم السماء

    ReplyDelete
  29. كاتب مبدع
    يفتح أفاق رحبة للفكر والخيال
    استمر ومحبتك في القلوب تزيد

    ReplyDelete
  30. متى يتووفر الكتاب باللغه الانجليزيه ��

    ReplyDelete